إذا فكرت إدارة ترامب بعرض ميزانية تتضمن زيادة في النفقات الدفاعية مقابل اقتطاع كبير من تمويل المساعدات الأجنبية التي تتكفل بها وزارة الخارجية، فإن الكونجرس سوف يرفض الفكرة، وسيؤكد حينئذ على أن القوة الأميركية الناعمة سوف تتواصل باعتبارها أولوية أمنية وطنية، وفقاً لما قاله «ليندساي جراهام»، السيناتور الجمهوري عن ولاية ساوث كارولاينا ورئيس قسم الاعتمادات في مجلس الشيوخ ورئيس اللجنة الفرعية للعمليات الخارجية. وقد قال جراهام، يوم الثلاثاء الماضي: «سوف تكون المزانية ميتة منذ لحظة وصولها إلى الكونجرس. هذا لن يحدث أبداً، لأنه سيكون بمثابة الكارثة. وهذه الميزانية تدمر قوتنا الناعمة وتضع دبلوماسيينا في دائرة الخطر، وهي لا تنطوي على خطة أو هدف مقنع بالنسبة لأي عضو في السلطة التشريعية». ولم تفصح إدارة ترامب عن تفاصيل ميزانيتها المقترحة، حتى للأعضاء من ذوي الوزن الثقيل في الكونجرس، وإنما اكتفت بالإعلان عن أن الحكومة الجديدة تعتزم تخصيص زيادة بقيمة 54 مليار دولار على الإنفاق الدفاعي إلى مخصصات السنة المالية 2018، وبما يرفع الميزانية الدفاعية القاعدية إلى 603 مليارات دولار سنوياً، من دون احتساب التمويل التكميلي للحالات الطارئة، ضمن الرقم المذكور. وقالت مصادر مسؤولة في إدارة ترامب، يوم الاثنين الماضي، بأن هذه الزيادة سوف يتم تمويلها من خلال الاقتطاع من المساعدات الخارجية، وهو ما قد يثير اعتراضات مسموعة داخل الكونجرس. وقد قال جراهام، وهو يشير إلى رسم يوضح مدى تواضع حجم ميزانية العلاقات الدولية: «وعندما سمعت بالزعم القائل بأن الاقتطاع من المساعدات الخارجية يمكنه أن يحقق التوازن للميزانية الجديدة، شعرت أن هذا الطرح لا يمثل إلا كذبة». وأضاف: «إن المساعدات الخارجية هي بمثابة بوليصة التأمين، والاستثمار فيها يجعلنا أكثر أمناً». وأشارت تقارير إلى أن ميزانيتي وزارة الخارجية والمساعدات الخارجية، يمكن أن تشهدا تخفيضاً بنحو 30 بالمئة وفقاً للخطة المقترحة. ورفضت وزارة الخارجية التعليق على الموضوع فيما عدا قول مصدر مسؤول فيها، الاثنين الماضي، إن الوزارة على اتصال مع البيت الأبيض لمراجعة الأولويات التي تقوم عليها الميزانية، وبأن الوزارة «متمسكة بسياستها الخارجية التي تسهم في تعزيز الأمن والازدهار للشعب الأميركي». وكانت خطة الميزانية قد تم توزيعها على الوكالات المعنية بدراستها عن طريق «مكتب الإدارة والميزانية»، يوم الاثنين الماضي، لكن مع الاقتصار على ذكر الأرقام النهائية ومن دون ذكر تفصيلاتها، أو ما يعرف باسم «الميزانية القشرية». وبعد مفاوضات ومداولات متواصلة بين البيت الأبيض وتلك الوكالات، من المنتظر أن تصبح الميزانية في حكم الجاهزة للعرض على الكونجرس ومناقشتها أواخر شهر مارس الجاري. وقال جراهام إن هناك عدداً كبيراً من الجمهوريين والديمقراطيين الذين سيقفون في صفّه في أثناء محاولته إنقاذ صناديق التمويل الخاصة بكل من وزارة الخارجية ووكالة المساعدات الخارجية. وأضاف جراهام: «عندما تضع إدارة ترامب ميزانية يمكنها أن تدمر القوة الناعمة، فهذا لا يغضبني، لأنني أعلم جيداً أنهم لا يفهمون أن القوة الناعمة أساسية لربح الحروب. ويبدو لي أن الميزانية المقترحة سوف تواجه نفس المصير الذي واجهته اقتراحات أوباما». وكان جراهام يشير بذلك إلى رسالة تم إرسالها إلى نواب الكونجرس يوم الاثنين موقعة من 120 جنرالاً وأدميرالاً متقاعداً تدعو إلى رفض الاقتطاعات من ميزانية تمويل وزارة الخارجية والمساعدات الخارجية. والرسالة من صياغة «قيادة الائتلاف الأميركي والعالمي»، وهي منظمة غير حكومية تعمل مع القادة العسكريين المتعاونين مع الدبلوماسيين ووكالات البحث والتطوير. وتستشهد الرسالة بمقولة لوزير الدفاع جيم ماتيس قالها عام 2013 عندما كان قائداً للقوات المركزية الأميركية: «إذا لم تموّل وزارة الخارجية على النحو الكافي، فسوف أحتاج لشراء المزيد من الذخائر». ويحتاج أي اعتماد مالي لـ60 صوتاً على الأقل من أصوات أعضاء الكونجرس حتى يتم اعتماده كقانون مالي. وهذا يعني أنه في وسع الديمقراطيين أن يجهضوا محاولات تخفيض ميزانيتي الدفاع والمساعدات الخارجية، بشرط أن يتخذوا من تحركهم موقفاً موحداً وقادراً على استقطاب التأييد في صفوف الجمهوريين. وقد قال لي السيناتور «بين كاردين»، وهو عضو مهم في لجنة الشؤون الخارجية التابعة لمجلس الشيوخ، بأنه سيقف بحزم في وجه مثل هذه المحاولات الرامية إلى إضعاف القوة الناعمة الأميركية. وأضاف: «إن ميزانية وزارة الخارجية وصندوق المساعدات الخارجية مهمان جداً لوكالاتنا المتخصصة في الأمن الوطني من أجل الإبقاء على الشعب الأميركي وعلى حلفائنا حول العالم في حالة من الأمان والاستقرار. والآن يبدو لي وكأن الرئيس يقترح ميزانية للأمن الوطني بعد أن اقتطع منها نسبة من التمويل بطرق يمكنها أن تسبب نتائج وخيمة على الأمن الوطني بشكل عام». وخلال مؤتمر صحفي عقده السيناتور الجمهوري جاك ريد، يوم الثلاثاء الماضي، وصف اقتراح ترامب بالاقتطاع من ميزانيتي الخارجية والمساعدات بأنه «قصير النظر». وقال ريد: «يعلم الأميركيون أن فعالية الإنفاق تقتضي منا العمل على تنظيف المزاريب بدلاً من انتظار الماء وهو يسقط من السقوف. وقصر النظر المعروف عن ترامب يمكن أن يكلف الأميركيين كثيراً». وقال لي «سين بارليت»، الناطق باسم «كاردين»، إن الديمقراطيين لم يتسلموا حتى الآن النسخ المفصلة للميزانية التي تقترحها إدارة ترامب. وتتحرك في وقتنا الحالي العديد من المنظمات والوكالات المؤيدة لسياسة منح المساعدات الخارجية، والتي تعتمد عليها في تحركاتها الخارجية، حتى توضح أهمية الاعتمادات المخصصة لوزارة الخارجية والمساعدات الخارجية عموماً على المصالح الوطنية الأميركية أيضاً». وقالت لي «جنيفر جرانهولم»، الحاكمة السابقة لولاية ميتشيجن، إن نشاط وزارة الخارجية في الدول الأجنبية هو شرط أساسي لتسهيل دخول الشركات الأميركية إلى الأسواق العالمية وجلب المستثمرين العالميين إلى الولايات المتحدة. --------------------- جوش روجين* *محلل في السياسة الخارجية والأمن الوطني ------------------------------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»