كل شيء قابل للنقاش اليوم في الجزائر بدءاً بصحّة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وانتهاء بالتحضير للانتخابات البرلمانية (في الرابع من مايو المقبل)، مروراً بالزيارة المزمعة للرئيس الإيراني حسن روحاني في منتصف مارس الجاري، إضافة إلى قضايا أخرى متعددة ومتنوعة في مختلف المجالات. الكُل في الجزائر يخوض في السياسة، حتى إنه لا يخلو بيت جزائري في المدن أو القرى أو الأرياف من حديث في جلسات النهار والليل من خلال نقاش مستفيض عن مستقبل البلاد، وحيطة وحذر ونقد لكل التغيرات الجارية في الدول العربية الأخرى.. ففي كل بيت يحضر جدل العاصمة بما تحتويه من مؤسسات دستورية، مثل مؤسسات: الرئاسة، البرلمان، مجلس الأمة، الجيش، والشرطة، حتى أنه يخيّل للمراقب أن غالبية الشعب الجزائري منخرطة أو مناضلة في حزب كبير هو الجزائر. النّقاش الدائر اليوم هناك علني وصريح، حيث لا يعرف الجزائريون ـ في الغالب ـ المجاملة ولا يتخوفون من رد فعل السلطات، لكنهم يعتمدون على توظيف المعلومات المتسربة بقصد أو من دونه من طرف أجهزة وإدارات الدولة، مثلما يتفاعلون مع الشائعات، وعلى خلفية هذا التداخل تغيب الحقائق، بل إن الأباطيل والافتراءات تقدم باعتبارها وقائع حقيقية ترقى إلى درجة اليقين، ويجد السياسيون في ذلك ضالتهم، لأنها تشغل الشعب عن البحث في الدوافع والخلفيات التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه. عملياًّ، تشنُّ الغالبية العظمى من الجزائريين هجوما يوميا على كل القرارات والمشاريع وتعتبرها ناقصة ووهمية، وتجادل بقوة واندفاع مؤكدة صواب موقفها، حتّى إذا ما أستأنس المراقب برأيها ودافع عنه ودعمّه، وأقرَّ معها بواقع الحال، وقفت ضده وناقضت رأيه، واعتبرته عدواًّ حتى لوكان جزائرياَّ.. إنها مصرة على حقها في النقد دون غيرها، الأمر الذي يُكرِّس شفونيَّة وطنيَّة تجاوزها الزّمن، ليس فقط لأنها مُضللّة ومُزيَّفة للوعي، وإنما لأنها تُعمَّق التناقض داخل الذات من ناحية، وتكشف عن أن الأخبار المؤسسة مجرد شائعات لا يمكن الركون إليها أو التعويل عليها. هنالك أمثلة كثيرة دالَّة على أن الشارع يصنع واقعه السياسي، بعيدا عن تأثير الأحزاب، وأيضا عن سلطة النظام الحاكم، حتى إنه في بعض الحالات يُمثَّل سلطة موازية للسلطة القائمة، ولا يكترث للشرعية، ومن تلك الأمثلة: دعم المرشحين للانتخابات، ففي الوقت الذي وضع معظم الأحزاب أصحاب الأموال على رأس القوائم الانتخابية، يصر من لهم حق الانتخاب ـ وقد التقيت بالمئات منهم خلال الأيام الماضية ـ دعم المرشح للبرلمان الذي قدّم خدمات خلال الفترة السابقة بغض النظر عن مقدراته المالية أو انتمائه الحزبي، ما يعني عجز الأحزاب عن توقع النتائج، كون الولاءات لم تعد حزبية، وإنما تخضع لاعتبارات أخرى تُخضِع السياسة لصالح المناطقية أو القَبليّة. مثال ثان، يظهر في الهجوم على علاقة الجزائر الخارجية، من ذلك النقد الذي أبداه معارضون للزيارة المقبلة للرئيس الإيراني إلى الجزائر على منصات التواصل الاجتماعي، وهذه سابقة في تاريخ الجزائر، حيث ظلت السياسة الخارجية الجزائرية محل تقدير وتسليم كلي من طرف الشعب لأهل الاختصاص من الدبلوماسيين. مثال ثالث: اعتراف غالبية الشعب بحدوث فوضى على نطاق واسع في معظم مؤسسات الدولة، واستثناء مؤسسة الجيش من ذلك، واعتبارها الأكثر تنظيما، ونشاطا والتزاما بالقانون، وإنها النموذج الأرقى مؤسساتيا في الجزائر. هكذا إذن، يُشكّل الشارع مواقفه، مُعتبرا أن كل شيء مباح في الجزائر، وأنه المؤثر في صناعة القرار، وهو يشارك في نهب خيرات البلاد، تماماً مثلما تفعل جماعات الفساد السياسي والمالي.. وما أكثرها اليوم في الجزائر. ــــــــــــــــ * كاتب وصحفي جزائري