مخاوف كثيرة تتردد حول سيطرة الشيعة في العراق على نظام الحكم المقبل، وقد عبرت هذه المخاوف عن نفسها في مواقف عدة، حذر بعضها مما وصف بالهلال الشيعي، فيما تبنى بعضها الآخر تحذيرات من استنساخ النظام الديني في إيران ودفع العراق الجديد إلى دائرة "ملالي" جديدة. وإذا كان كثير من المراقبين والمحللين يستبعدون فرضية استنساخ نظام الحكم الإيراني في العراق انطلاقاً من رفض المرجع الشيعي الأعلى في العراق السيد علي السيستاني مبدأ ولاية الفقيه وكذلك تحفظه على قيام رجال الدين الشيعة بدور سياسي، فإن ما يحدث على الساحة العراقية يؤكد حقيقة مفادها أن رجال الدين هم القوة السياسية الأبرز وأن شعبيتهم تفوق شعبية الساسة العراقيين، وقد انعكس هذا الأمر سواء من خلال مقدرة رجال الدين على تحريك الشارع الشيعي العراقي، أو من خلال نفوذهم الذي انعكس بوضوح في أزمات مثل أزمة النجف.
كما أن رفض المرجعيات الشيعية العراقية لمبدأ ولاية الفقيه في إيران لا يعني بالضرورة رفضهم الاضطلاع بدور سياسي ما ولو من وراء الكواليس، واعتقد أن أساس هذا الرفض يكمن في قناعة هذه المرجعيات بأن النجف هي محور الفكر الشيعي، وأن نفوذها المذهبي قادر على مقارعة نفوذ "قم" الإيرانية، وأن رجال حوزتها قادرون على ابتكار آليات وصيغ دينية مغايرة يمارسون من خلالها نفوذاً على اللعبة السياسية في العراق. ويجب ألا ننسى هنا أن الكثير من القيادات والرموز الدينية الإيرانية تربت وتعلمت وتأثرت بمعلميها الدينيين في النجف، بل إن بعض التحليلات ترى أن جزءاً من التدخل الإيراني المباشر وغير المباشر في العراق وإصرار رجال الدين الإيرانيين على لعب دور مؤثر في ترتيب أوضاع العراق إنما يعود في أحد جوانبه إلى مخاوف من تراجع المكانة الدينية التي تتمتع بها "قم" بين الشيعة في مختلف أنحاء العالم لمصلحة "النجف".
الملاحظة الأخرى هنا أيضاً أن الدور السياسي الذي يتطلع رجال الدين العراقيون شيعة كانوا أم سنة إلى الاضطلاع به، ربما لا يمثل خطراً على وحدة العراق وتماسكه في ظل تمحور الخطب الدينية الشيعية والسنية حول التحذير من الطائفية والاحتراب الداخلي، وبالتالي تتراجع مؤشرات الخوف من الفتنة بعد أن أثبت رجال الدين العراقيون وعيهم ومقدرتهم على إدارة الأزمات العديدة التي استهدفت إشعال نار الفتنة والوقيعة بين شيعة العراق وسنتهم، ولكن انتفاء فرضية الإحتراب لا تسقط بالتبعية تساؤلاً مهماً هو: كيف سينعكس "تسييس" الخطاب الديني في العراق على العملية السياسية برمتها؟ وفي الرد على هذا السؤال يصعب القطع بأن رجال الدين الشيعة البارزين في العراق سيكتفون بدورهم على المنابر وفي دروس الوعظ، وفي المقابل يصعب أيضاً القطع بأنهم سيعمدون إلى السيطرة على مفاصل النظام السياسي بصورة مباشرة، ولكن ليس من الصعب القول بأنهم سيلعبون دور "عقل" النظام ومحوره، أي يمكن توقع نظام حكم يتحدث بلسان سياسي ويفكر بعقل ديني، ويصعب التكهن بانفكاك أي نظام سياسي عراقي مستقبلي أو دورانه بعيدا عن فلك رجال الدين ـ سواء كانوا شيعة أو سنة ـ لأسباب عدة أهمها تراجع معدلات الثقة الشعبية في رجال السياسة كأحد إفرازات المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، وما تتسم به المراحل الانتقالية عادة من ضبابية وتشوش، ناهيك بالطبع عن ارتباط معظم الساسة الحاليين سواء بالنظام السابق أو بقوى إقليمية ودولية، وهي علاقة يدركها رجل الشارع العراقي بحكم تأثير وسائل الإعلام والانفتاح الفجائي لمجتمع ظل مغلقاً طيلة سنوات حكم صدام حسين.