تجمعت في الآونة الأخيرة بعض الشواهد التي تؤكد ضرورة معالجة ما يكتنف سوق العمل المحلي من ثغرات وسلبيات عديدة تسيء إلى صورة الدولة خارجيا، وربما تضر بمصالحها مستقبلا، ومن بين هذه الشواهد ماذكرته مساعدة الممثل التجاري الأميركي ومطالبتها كل من سلطنة عمان ودولة الإمارات بسن قوانين عمالية تتوافق مع معايير منظمة العمل الدولية، مؤكدة أن الدولتين بصدد تعديل ومراجعة قوانين العمل الحالية.
ومن المعروف أن من بين المعايير الأساسية لمنظمة العمل الدولية ضمان حرية العمال في تكوين الروابط والتنظيمات العمالية التي تدافع عن حقوقهم بشكل جماعي، كما توجد بعض الإشارات على أن الاتحادات العمالية في الدول الكبرى باتت تربط بوضوح بين اتفاقات التجارة الحرة من جهة، ومدى تماشي قوانين العمل في الدول التي تتفاوض معها حكوماتها بشأن توقيع اتفاقات للتجارة الحرة من جهة أخرى، أي أن هذه القوانين قد تحولت بالفعل كما كان متوقعا إلى ملف شائك في إدارة العلاقات الاقتصادية والتجارية مع دول العالم، ناهيك بالطبع عن ارتباط هذا الملف بالسمعة الدولية للدول بسبب ارتباطه بمجال نشاط لجان حقوق الإنسان الدولية، أضف إلى ذلك أن استمرار هذه الممارسات العمالية السيئة من جانب بعض شركات القطاع الخاص قد يأخذ أبعادا ربما تؤثر بدرجة ما في علاقتنا الخارجية مع الدول التي ينتمي إليها هؤلاء العمال.
ولذا نأمل بالفعل في أن تضع الوزارات والدوائر المعنية هذه الأمور في اعتبارها، وأن ينظر إلى هذه الحقائق ضمن أي معالجات مستقبلية تتصل بالعمالة الوافدة بحيث تتم المعالجة في إطار يحرص على تحقيق خطط التنمية وجذب الاستثمارات بقدر ما يحرص على تلافي أي معوقات مؤثرة في علاقتنا الخارجية مع دول العالم والمنظمات الدولية.
والمأمول أن يتم في أقرب وقت ممكن سن التشريعات القانونية وتبني الإجراءات التنفيذية اللازمة للقضاء على الظواهر العمالية السلبية مثل عدم دفع كثير من الشركات رواتب العاملين أو تأخر الصرف في معظم الأحيان، وأيضا سوء الأحوال المعيشية لعمال المقاولات في القطاع الخاص، وكذلك القضاء على ظاهرة الإتجار بالتأشيرات، وغيرها من الإشكاليات والممارسات التي تسببت في الإساءة مرارا إلى صورة الدولة خارجيا، ولم تفلح أي جهود حتى الآن في إقناع القطاع الخاص أو إلزامه بالتخلي عنها.
إن ارتفاع نسبة العمالة الوافدة في سوق العمل المحلية يفرض علينا ألا نتهاون في معالجة جوانب هذا القصور، وأن ننطلق في معالجته من قناعة مفادها أن شركات القطاع الخاص التي تسيء لعمالها إنما تسيء بالأساس إلى الدولة في وقت نسعى فيه جميعا إلى تكريس الشفافية في الأداء الاقتصادي واضطلاع القطاع الخاص بمسؤوليات أكبر في التنمية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية