على مشارف موسم الحج لهذا العام، أعلن الأمير سلطان بن عبد العزيز رئيس جائزة الملك فيصل، عن منح جائزة "خدمة الإسلام" للعام 1425هـ/2004م لكلٍ من مؤسسة الحريري، والبنك الإسلامي للتنمية. وللجائزة المذكورة قيمةٌ معنويةٌ كبرى اكتسبتها عبر خمسٍ وعشرين سنة انقضت على إنشائها في قلب مركز الملك فيصل للدراسات الإسلامية. فالجوائز تُمنحُ للعلوم الإسلامية والإنسانية، والتطبيقية، كما تُمنح لخدمة الإسلام. ولها لجانٌ تحكيميةٌ شديدة السرية والشفافية. وكثيرٌ ممن نالوا الجائزة حصلوا بعد ذلك على جائزة نوبل أو جائزة عالمية أخرى دالّة ومهمة. وقد كانت جائزةُ "خدْمة الإسلام" تُمنح لأفرادٍ متميزين بعملهم العامّ من أجل الإسلام، أو خدمة المسلمين، بالمعنى الكبير لذلك. وهذه المرة من المرات القليلة التي تُمنح فيها الجائزة لجهةٍ أو مؤسَّسة وليس لفردٍ ناشطٍ ومؤثّر. ثم إنّ المؤسستين اللتين تلقّتا الجائزة هما مؤسستان كُبريان، يتجاوزُ نشاطُهُما المعنى الخيري التقليدي إلى الأُفُق التنموي الكبير والواعد.
فالبنك الإسلامي، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، أنفق على جهات ونشاطات ومؤسسات التنمية في العالم الإسلامي ما يزيد على العشرين بليون دولار خلال العقدين الماضيين. وموسسةُ الحريري أنفقت على التعليم والصحة والإعمار والخدمات الاجتماعية في لبنان والخارج حوالي الثلاثة بلايين دولار منذ إنشائها عام 1979. ولهذا فإنّ مؤسسة الملك فيصل، التي تجاوزت في جوائزها للعلوم الإنسانية والتطبيقية المسلمين ديناً أو ثقافةً، لتطلَّ على المعنى العالمي والتقدمي للإسلام، عمدت لفعل الشيء نفسه في جائزة خدمة الإسلام للعام 1425هـ.
قبل خمسة أعوامٍ أو ستة، تجاوز البنك الإسلامي للتنمية نشاطاته العادية في مساعدة الدول وإقراضها، ليدعم المشروعات الخاصة التجارية والتنموية، والتي تتمُّ داخل الدول الإسلامية، أو بين الشركات والمؤسسات الخاصة في أكثر من بلدٍ إسلامي. وقد التزم دائماً في أعماله ثلاثة معايير: المقاييس الدولية التي تعرفُها وتتبناها الجهات الدولية العاملة في مجال الإقراض والدعم والمساعدة، ومكافحة الفقر والحاجة في البلدان الإسلامية، والتزام البُعد النوعي والتنموي حتى في المشروعات ذات الوجه التجاري. ولذلك فقد صار منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي، أحد دعائم التنمية والتقدم في قارتي آسيا وأفريقيا، وبشهادة المؤسسات والجهات الدولية، ووكالات وبرامج الأمم المتحدة. وقد كانت لمنظمة المؤتمر الإسلامي منظماتٌ فرعيةٌ قامت بأعمالٍ مهمة. لكن لا شكَّ أنّ البنك الإسلامي يبقى طليعة تلك المؤسسات وأُفُقها الواعد والمتقدم، والمشارك بهذه الفلسفة الواعية في حركة النهوض الإسلامية والعالمية.
أمّا مؤسسة الحريري، والتي موّلت حتى الآن دراسة زُهاء الـ 35 ألف طالبة وطالب من لبنان، وفي مئات الجامعات اللبنانية والعربية والعالمية، ومن كل الطوائف والأديان؛ فقد أسهمت إلى جانب ذلك بخدماتٍ إعماريةٍ واجتماعيةٍ كبيرةٍ كانت بين أسباب خروج المجتمع اللبناني من الحربين الداخلية والإسرائيلية سليماً مُعافى. كما أسهمت بتقديماتٍ إغاثيةٍ وصحيةٍ واجتماعيةٍ في عددٍ من الدول العربية، وما تزال. وقد تختلفُ المفاهيم والآراء حول العلاقة بين الخدمة والخير والتنمية؛ بيد أنّ تلك التدقيقات ما حالت دون انصراف المؤسسة في التسعينيات إلى المزيد من النشاطات المتصلة بالمجتمع المدني وجمعياته وهيئاته: من الإسهام في برامج الأسرة والأم والطفل، وإلى نشاطات تمكين المرأة، وعقد الشراكات العربية والعالمية من أجل دعم عمليات التوازن والنهوض في لبنان والمجتمعات العربية، وفي الأُفُق الدولي والعالمي.
ويعلم العاملون في مجالات الخير والخدمة الاجتماعية والتنمية على حدٍ سواء، الصعوبات الكبرى التي تعرضت لها مؤسساتٌ إسلاميةٌ كثيرةٌ في السنوات الأخيرة بحجة تجفيف منابع دعم" الإرهاب"؛ ذهاباً إلى أنّ أموالاً أُعطيت من أجل الخير، بالمعنى الإسلامي التقليدي لذلك، وبالزكاة والصدقة، وصلت إلى أيدي المتطرفين.
وأياً تكن صحةُ هذه الدعاوى، فالواقعُ أنّ المؤسسات الخيرية الإسلامية، محتاجةٌ إلى جَسْر المسافة بين الخير والتنمية. ولا يعودُ ذلك إلى أنّ الخير والصدقة أمران غير ضروريين؛ بل لأنّ المواردَ متناقضةٌ والحاجات إلى ازدياد، ولا طريقةَ للوفاء بالاحتياجات إلاّ بالوعي والتطوير من أجل تحسين المردود وتعظيمه، والدخول في العالم من طريق التنمية المستدامة والشاملة، وبلوغ أُفُق وممارسة النهوض والتقدم بالمفاهيم الجديدة، التي تُعطي لتُراثنا العريق في الخير والمروءة معناه الباقي، وتُعينُ مجتمعاتنا فيما هي بسبيله من مخاضٍ عسيرٍ للخروج من مآزق الاستهداف والاستضعاف والعجز والاستقطاب.
وقد ميّز المسلمون قديماً بين الأعمال الإغاثية العاجلة التي تؤديها مصارفُ الزكاة، والأخرى التنموية التي تؤديها الأوقاف. وعندما تردد سائلٌ على النبي صلواتُ الله وسلامُهُ عليه مراراً طالباً الصَدَقة، ورأى