بريتي جها – كوالالمبور: كان «عريف» منهمكاً في تحضير قدح من الشاي في واحد من المقاهي الشعبية التي يرتادها أمثاله من لاجئي الروهينجا القادمين من ميانمار. وعلى غرار عشرات الآلاف ممن سبقوه إلى ماليزيا، فقد ركب غمار رحلة بحرية محفوفة بالمخاطر للوصول إلى ماليزيا، كان فيها تحت رحمة المهرّبين. هذا الشاب الذي يبلغ السابعة والعشرين فر من القمع الذي ما زالت تعاني منه الأقلية المسلمة في بلده. ولكنه الآن واحد من أفراد جاليةٍ كبيرةٍ غير مرغوب فيها تعاني أوضاعاً صعبة وتعيش مختبئة ومطارَدة في العاصمة الماليزية كوالالمبور. الروهينجا الذين لا دولة لهم، والذين كثيراً ما يلقّبون بالأقلية الأكثر تعرضاً للقمع في العالم، يتدفقون منذ وقت طويل على ماليزيا ذات الأغلبية المسلمة، تحدوهم آمال في أن يلقوا ترحيباً فيها، ذلك أنهم في ميانمار مضطهَدون من قبل الأغلبية البوذية، ومحرومون من الجنسية، ويرغَمون على مواجهة قيود على التنقل شبيهة بـ«الأبارتايد»، كما أنهم يُعتبرون في بنجلاديش «مهاجرين غير شرعيين» على الرغم من جذورهم العميقة في البلاد، ولكن الواقع بالنسبة لنحو 55 ألف من لاجئي الروهينغا المسجلين لدى الأمم المتحدة في ماليزيا لوحدها، وبالنسبة لعشرات الآلاف الآخرين الذين يُعتقد أنهم يعيشون في البلد من دون اعتراف رسمي، هو حالة من النسيان. ويقول «عريف»، الذي أخذ استراحة قصيرة من طي حزمات صغيرة من أوراق التنبول، وهي مادة منشطة تمضغ على نطاق واسع في ميانمار وأجزاء أخرى من آسيا: «إن الناس هنا لا يقمعوننا وليست لدينا مشاكل مع السكان المحليين، ولكن إذا جاءت الشرطة، علينا أن نفر». لاجئون بلا حماية قانونية وعلى غرار معظم دول جنوب شرق آسيا، فإن ماليزيا لم توقع اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين، وإنْ كانت تسمح لوكالة الأمم المتحدة للاجئين بتسجيل اللاجئين على أساس أن يعاد توطين معظمهم في بلدان أخرى، ولئن كان اللاجئون المسجلون لا يُحتجزون في مخيمات هنا، فإنهم يُتركون للعيش في بيئات حضرية من دون حماية قانونية أساسية، حيث يضطر هؤلاء اللاجئون، الذين لا يُمنحون حق الإقامة أو حقوق العمل، لقبول وظائف ذات أجور زهيدة في قطاعات غير منظمة، والعيش في خوف دائم من الاعتقال أو سوء المعاملة أو الابتزاز. أما بالنسبة للقلة القليلة المحظوظة التي تحصل على وضع لاجئ، فإنهم ينتظرون طويلاً عملية إعادة التوطين البطيئة في بلد آخر. مخطط قد يغيّر قواعد اللعبة ولكن الآن، وبعد سنوات من توقف المفاوضات، تشتغل الحكومة حالياً على مخطط تجريبي يمكن أن يغيّر قواعد اللعبة، مخطط لطالما دعت إليه المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة: منح 300 من الروهينجا تراخيص للعمل بشكل قانوني في قطاعي الزراعة والصناعة لفترة ثلاث سنوات، اعتباراً من أوائل هذه السنة. وفي مقر الوكالة في كوالالمبور، يَعتبر ريتشارد تاول، ممثل المفوضية العليا للاجئين في ماليزيا، أن المخطط يتيح وضعاً «حيث الكل فائز»، في حال تعاون الجميع وعملوا معاً. وقال: «إننا نعلم أن اللاجئين يريدون أن يعملوا. إن معظمهم يعمل، كما أن المصانع والشركات ستود حقاً تشغيلهم. ولكن ما ينقص هو تشريع ذلك وإضفاء طابع قانوني عليه». وأضاف «تاول» قائلاً إن تراخيص العمل ستمنح حماية أساسية للاجئين المعرّضين للاستغلال في «اقتصاد غير مرئي إلى حد كبير»، إضافة إلى أنها ستمنح ماليزيا، التي لطالما اعتمدت على العمالة الأجنبية في الوظائف التي تتطلب مهارات متدنية، «قوةً عاملةً رخيصة الثمن». وقال أيضاً: «إذا كُلل هذا المخطط بالنجاح وارتاحت له كل الأطراف المعنية، فإننا سنرغب في رؤية كل لاجئي المفوضية العليا للاجئين يُمنحون حق العمل». سياق خاص المخطط يأتي في وقت ازدادت فيه الحاجة إلى أفكار جديدة حول كيفية التعاطي مع أزمة اللاجئين العالمية، ذلك أن الأمر لا يتعلق فقط بازدياد عدد اللاجئين في العالم، ولكن أيضاً بحقيقة أن عدداً أقل من البلدان باتت ترغب في استقبالهم كمقيمين رسميين. وعلاوة على ذلك، فإن تغير الأوضاع الجيوسياسية يُعتبر مقلقاً بشكل خاص بالنسبة لماليزيا، التي يتدفق عليها منذ وقت طويل لاجئو المنطقة. فماليزيا كانت قد استفادت من أحد أكبر برامج المفوضية العليا للاجئين لإعادة التوطين خلال العقد الماضي، عندما أعيد توطين أكثر من 100 ألف لاجئ كانوا قد وصلوا إلى هناك في بلدان أخرى، وخاصة الولايات المتحدة. ولكن معظم أولئك اللاجئين كانوا ينحدرون من أقلية «تشين» المسيحية في ميانمار، التي كان أفرادها ضحايا لاشتباكات طويلة بين مليشيات عرقية والحكومة، وليس الروهينجا، الذين يشكّلون الجزء الأكبر من لاجئي ماليزيا. واليوم، تزيد الإدارة المقبلة للرئيس المنتخب دونالد ترامب، الذي عبّر عن معارضة قوية للاجئين والمسلمين خلال الأشهر الأخيرة، من حالة عدم اليقين بشأن عملية إعادة التوطين المقبلة للروهينجا. خطوة في الاتجاه الصحيح ولهذا، يشدّد الحقوقيون على ضرورة إيجاد أفضل الطرق لمساعدة اللاجئين الذين يعيشون في أوضاع صعبة، واستخدام المساهمات التي قدّموها للمجتمعات التي أصبحت موطناً لهم بحكم الواقع. وفي هذا السياق، تأمل «إيمي سميث»، المديرة التنفيذية لمنظمة «تعزيز الحقوق» في جنوب شرق آسيا، أن يحقق مخطط العمل الجديد النجاح ويشجّع بلداناً أخرى إذ تقول: «لا شك أن هذه خطوة في الاتجاه الصحيح بالنسبة لماليزيا. وينبغي على مزيد من البلدان في المنطقة أن تفكر في استراتيجيات لإدماج اللاجئين ضمن نسيجها المجتمعي». حذر وتشكيك ولكن وبينما لم يتم الكشف بعد عن التفاصيل الكاملة للمخطط التجريبي، عبّرت سميث عن خوفها من أن يدخل اللاجئون مشهداً لحقوق العمالة في ماليزيا «فيه الكثير من الاستغلال للعمال المهاجرين»، معتبرةً أن أي مخططات جديدة ينبغي أن توفّر لهم حمايةً من قبيل تغيير المشغّلين، والتبليغ عن حالات الاستغلال في أماكن العمل. بيد أن خبراء آخرين يشكّكون في نطاق المخطط التجريبي، الذي فُتح في وجه جزء صغير فقط من لاجئي الروهينجا المسجلين لدى الأمم المتحدة في ماليزيا. وفي هذا السياق، قالت «كايتلن وايك» من «معهد التنمية الخارجية»، وهو مركز بحوث في لندن: «لستُ واثقة من أنه يكفي فصل المزايا الحقيقية» لمخطط عمل. وتضيف وايك، مؤلفة تقريرين حديثين يبحثان ظروف العمل بالنسبة للروهينغا في ماليزيا، أن المخطط «سيكون له تأثير ضعيف أو منعدم بالنسبة للأغلبية الساحقة من اللاجئين. وبالنسبة لسياق مثل ماليزيا، فإن هذه خطوة صغيرة جداً». كما حذّرت من توقع الكثير من مخططات العمل إذ قالت: «على الصعيد العالمي، نشهد تقدماً أكبر بخصوص حقوق عمل اللاجئين، غير أنه لئن كانت تراخيص العمل محل إشادة من قبل صناع السياسات، فإن الرد من اللاجئين أنفسهم كان أكثر فتوراً. وعلى سبيل المثال، فإن الشروط المرتبطة بالحصول على ترخيص عمل في الأردن يمكن أن تكون مثبطة وقاتلة للتحفيز». وفي المخطط التجريبي الماليزي، تُعتبر القطاعات المحدودة التي يمكن للاجئين العمل فيها أحدَ العراقيل أيضاً بخصوص إيجاد مرشحين، حيث تقول المفوضية العليا للاجئين إن العديد من لاجئي الروهينجا يرفضون الفرصة، مؤثرين العمل بشكل غير قانوني في قطاعات أقل استقراراً، ولكن ذات أجور أفضل مثل البناء. وتأمل الوكالة أن يَفتح مخططٌ موسع مستقبلي مزيداً من القطاعات أمام اللاجئين. في محل بقالة صغير على الأطراف الشرقية لكوالالمبور، يقوم لاجئو الروهينجا، الذين يعيش بعضهم في العاصمة منذ قرابة ثلاثة عقود، بشراء المواد الغذائية الأساسية. ومن بين هؤلاء إعجاز، الذي يدير مقهى شعبياً ووصل إلى ماليزيا قبل 24 عاماً. وكان إعجاز، الذي يبلغ 43 عاماً، قد فر من ولاية راكين، التي تقع في أقصى غرب ميانمار وتأوي معظم روهينغا البلاد المقدّر عددهم بنحو مليون نسمة، هرباً من الاعتقال من قبل مسؤولي الاستخبارات، الذين قال عنهم إنهم كانوا يقومون بتوقيف الشباب المسلمين بشكل تعسفي. ومع أنه في وضع أفضل بكثير قياساً بأوضاع أمثاله من اللاجئين، إلا أنه يضطر لإغلاق متجره والاختباء عندما تمر دورية الشرطة من الحي، لأنه كثيراً ما يرغم على دفع رشى، كما يقول. ويدفعه عدمُ وفاء الحكومة بوعودها السابقة بشأن منح اللاجئين تراخيص عمل لعدم الوثوق في الجهود الحكومية الأخيرة إذ يقول: «إنهم يقولون شيئاً اليوم، ثم يقولون شيئاً مختلفاً غداً»، مضيفاً: «ولكننا على الأقل نشعر بالأمان هنا، ونستطيع النوم في سلام». وحسب تقرير وايك من «معهد التنمية الخارجية» الذي نشر في نوفمبر، فإن مخططاً يقضي بإصدار 10 آلاف ترخيص عمل في 2006 توقف في غضون أيام على خلفية ادعاءات فساد، هذا في حين أن مخططاً سابقاً يقضي بمنح بعض الروهينجا تراخيص عمل لفترة ستة أشهر في أوائل التسعينيات لم يتم تجديده أبداً. زخم قوي للمخطط التقدم بشأن مخطط المفوضية العليا للاجئين جاء بعد اندلاع موجة جديدة من العنف بمنطقة «راكين» في أكتوبر 2016، حيث أدت هجمات مميتة على مراكز شرطة، حمّلت ميانمار المسؤوليةَ عنها لمقاتلين محليين، إلى عمليات قمع كبيرة قام بها الجيش، حيث قُتل عشرات الروهينجا وفر 65 ألفاً منهم على الأقل إلى بنجلاديش خلال الأشهر القليلة الماضية، وقد مثّل ذلك أسوأ اضطراب في راكين منذ الاشتباكات التي اندلعت بين أغلبية ميانمار البوذية والروهينجا في 2012. وفي نوفمبر، صرّح مسؤول من الأمم المتحدة بأن ميانمار تسعى إلى «التطهير العرقي» للروهينجا من أراضيها، وهي تهمة نفتها بشدة الحكومة بقيادة أونغ سان سو كي التي كانت معارضة معتقلة في الماضي. حل مؤقت وفي مكتب «رابطة الروهينجا» في ماليزيا، وهي منظمة تساعد هذه الأقلية، يرحِّب رئيس المنظمة، «بو مين ناينج»، المعروف أيضاً باسم فيصل، بالمخطط بحذر إذ يقول: «إنه مخطط جيد، ولكنني قلق بشأن المدى الطويل. إن وضعنا سيستمر كلاجئين، ولهذا، فلا شيء سيتغير. علينا أن نفكر بشأن إعادة التوطين أو الجنسية». الرسالة من الحكومة الماليزية مختلفة بعض الشيء، وإنْ كانت تشدد على إظهار التضامن الشجاع من قبل نجيب. وفي هذا السياق، قال نور جزلان محمد، نائب وزير الشؤون الداخلية: «إن الهدف هو منحهم فرصة العمل وكسب قوت يومهم، ولكننا في الوقت نفسه لا نريد تشجيع مزيد من الأشخاص على القدوم إلى هنا»، مضيفاً أن المخطط التجريبي «يمكن» أن يوسَّع، ولكنه لن يشمل سوى «الأشخاص الموجودين هنا منذ مدة». وقال في هذا الصدد: «إن الهدف على المدى البعيد هو إعادتهم إلى بلدهم. فعندما تمنحهم ميانمار ضمانة الأمان والسلامة، فإنهم سيستطيعون العودة. أما هذا المخطط، فإنه حل مؤقت فقط». ما فائدة «نوبل»؟! في ديسمبر، وفي حالة نادرة للتخلي عن الدبلوماسية الإقليمية التقليدية، أضاف رئيس الوزراء الماليزي «نجيب رزاق» تصريحات قوية أثناء حضوره لمظاهرة احتجاجية في كوالالمبور، حيث قال لحشد من المسلمين الهاتفين، ومن بينهم لاجئون من الروهينجا: «إن العالم لا يمكنه أن يقف متفرجاً على حدوث جريمة إبادة جماعية»، مضيفاً: «ما الفائدة من حصول أونج سان سو كي على جائزة نوبل؟» بريتي جها – كوالالمبور *صحفية بريطانية متخصصة في الشؤون الآسيوية ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»