يعد «شرع مَنْ قبلنا» واحداً من الأدلة الشرعية التي يستقي منها الفقهاء أحكامهم، مع خلاف بينهم في حجيّته، ويُعرّفه بعضهم بأنه «ما نُقل إلينا بطريق صحيح من الشرائع السماوية السابقة»، والقضية المطروحة هنا في تسمية هذا المصدر من قِبل أعلام المسلمين بـ«شرع» وليس بـ«دين» مَنْ قبلنا. وبالبداهة لا يمكن القول إن الفقهاء عنوا بالشرع هنا الدين، فالدين واحد هو الإسلام، كما لا يمكن القول إنهم وصفوا اليهودية والمسيحية بـ«شرع» وهم يعنون بهما قبل ظهور الرسالة المحمدية، إذ إنهم نحتوا المصطلح رغم اعتقادهم بوقوع التحريف فيهما. ويُلاحظ في تفسير قوله تعالى «إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَهِ الْإِسْلَامُ» أن جملة من المفسّرين ذهبوا إلى أن مفهوم الدين في الآية أشمل من مفهومه المتداول، فالقرطبي في تفسيره يقول: «الدين في هذه الآية الطاعة والمِلّة، والإسلام بمعنى الإيمان والطاعات»، وفي تفسير الجلالين أن الإسلام في الآية «الشرع المبعوث به الرسل المبني على التوحيد». وقد توقف الشيخ العثيمين مطولاً عند هذه الآية وقال ما نصّه: «الإسلام هو التعبد لله تعالى بما شرع، حال قيام الشريعة. وهذا الإسلام بالمعنى العام. أما الإسلام بالمعنى الخاص وهو المراد هنا فهو التعبد لله بشرع محمد صلى الله عليه وسلم». ثم يورد الدليل على هذا التقسيم من القرآن، بقوله تعالى عن ملكة سبأ «وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»، وبقول يعقوب لبنيه «إِنَّ اللَهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ»، وآيات أخرى. ويضيف العثيمين قائلاً: «ولهذا لو سألنا سائل: هل اليهود والنصارى مسلمون؟ فنقول: أما بالمعنى العام فهم مسلمون، يعني: أنه لما كانت شريعة التوراة قائمة، وكانوا يتبعونها، فهم مسلمون بلا شك. وأما بالمعنى الخاص الذي لا يراد سواه بعد بعثة محمد عليه الصلاة والسلام، فليسوا بمسلمين، بل هم كفار بمحمد صلى الله عليه وسلم». والخلاصة في هذا أن اليهودية والمسيحية شريعتان تندرجان تحت دين هو الإسلام، وإلا ما جاز للفقهاء أن يستقوا منهما أي شيء، واليهودي والمسيحي مسلمان بالمعنى العام للإسلام كما يقول الشيخ العثيمين، لكن بالمعنى الخاص ليسا بمسلمَين، لأنهما لم يتبعا شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، وبقيا على شريعة موسى وعيسى عليهما السلام. فإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يمنع من التزامنا بالمعنى العام لمصطلح «الدين»، وهو المعنى الذي يقرّ به أعلام المسلمين أنفسهم، ونأخذ في تعريف اليهودية والمسيحية كشريعتين في مناهجنا التعليمية، وفي مخاطباتنا الرسمية، وفي قوانيننا، وفي خطابنا الديني، وفي إعلامنا، وعلى ألسنتنا؟! إن كنا نسعى إلى الحوار بين ما نطلق عليها أديان بينما هي شرائع في دين واحد كما هو واضح، وإلى تقريب وجهات النظر فيما بيننا، وإلى تكريس مبادئ التسامح وقبول الآخر والتعددية وغيرها من مبادئ راقية وإنسانية، فقد يكون الالتزام بالتعريف العام للإسلام كشجرة واحدة ذات غصون متعددة، خطوة موفقة في هذا الصدد. للكلمات تأثير في عقولنا، وفي أفكارنا، وفي تصوّراتنا عن الأشياء، وشتان بين قولنا «الدين الكذائي» أو «الشرع الكذائي»، خصوصاً أننا نعيش في زمن تستعر فيه الحروب الدينية.