تحتفل روسيا هذا العام بالذكرى المئوية الأولى لنشوب الثورة البولشفية في عام 1917. ويترافق هذا الاحتفال مع محاولات الرئيس فلاديمير بوتين استعادة الماضي وإحيائه من جديد، فمنذ أن تبوّأ الرئاسة في الكرملين وهو يحاول إعادة بناء الإمبراطورية التي تفتت إلى دول مستقلة عقب سقوط الشيوعية وانهيار الاتحاد السوفييتي، لكن على أي أساس يعيد بناء تلك الإمبراطورية؟ للإجابة على هذا السؤال هناك نموذجان: نموذج لينين ونموذج ستالين. قام النموذج الأول على أساس ليّ ذراع الكنيسة الأرثوذكسية والتشهير بها وفك ارتباطها بالدولة، كما قام على أساس وضع حدّ للهيمنة الاستعمارية الإمبريالية الروسية على دول الجوار، واستيعاب هذه الدول تحت شعارات أممية وشيوعية، بحيث لا يكون للقومية الروسية أي موقع مفضل على القوميات الأخرى، وبحيث لا يكون للقياديين الروس أولوية على القياديين من الجمهوريات الأخرى. أما النموذج الثاني، الستاليني، فقام على اعتماد قاعدة العصبية الروسية أساساً للإمبراطورية، وعلى تثبيت أركانها ولو بالقوة العسكرية. وجرى ذلك من خلال بثّ الروح القومية الروسية وبالتماهي مع الكنيسة الأرثوذكسية، فالدور الذي فقدته الكنيسة في بدايات الحركة الشيوعية مع لينين، استعادته مع ستالين، ولو تدريجياً. وما كان لروسيا (السوفييتية) أن تنتصر في الحرب العالمية الثانية على ألمانيا النازية، لو لم يتمكن ستالين من إثارة العصبية القومية الروسية واستثمارها في الجبهة. لم يتخلّ بوتين عن شيوعيته، بل يعتز بأنه عمل في جهاز الاستخبارات (الكي. جي. بي)، ويفاخر بأنه لم يتخلّ عن بطاقته الحزبية خلافاً للآخرين، لكن الأولوية عنده للشعب الروسي الذي يعتبره العمود الفقري للاتحاد السوفييتي السابق.. وللمشروع القومي الجديد الذي يعمل على إعادة إحيائه. يأخذ بوتين على لينين أنه ساوى بين القومية الروسية والقوميات الأخرى، وهو يصف هذه المساواة بأنها كانت قنبلة موقوتة. وقد انفجرت القنبلة فعلاً وتطايرت أشلاء الإمبراطورية دولاً عديدة في الغرب الآسيوي والشرق الأوروبي، غير أنه لا يُنكر أن لبوتين فلسفته الشيوعية التي لا يزال يؤمن بها. ومن أجل ذلك يحاول إعادة بناء الإمبراطورية على قاعدة القومية الروسية ودورها القيادي الحتمي. وهو ما فعله ستالين من قبل، ولأن الكنيسة الأرثوذكسية هي جزء من القومية الروسية، فلا بد من إعادة الاعتبار إليها أيضاً، وتمكينها من أداء دورها في بعث الروح القومية الروسية، كما حاول ستالين. من هنا لا تناقض بين أن يكون بوتين مؤمناً بالشيوعية وبدور الكنيسة في الوقت ذاته، فالدور الديني للكنيسة بالنسبة له هو أداة ووسيلة وليس هدفاً بحد ذاته. الهدف عنده هو إعادة إحياء القومية الروسية ومشروعها القومي. وبهذا المعنى فبوتين في مشروعه يبدو أقرب إلى «القيصرية» منه إلى «السوفييتية»، أي أقرب إلى «الستالينية» منه إلى «اللينينية». سقطت روسيا القيصرية عام 1917 (أي قبل مائة عام) بيد الحركة البولشفية، لأن القيصر نيقولا الثاني عجز عن إدخال الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية لقطع الطريق أمام التمرد الذي تحوّل إلى ثورة. وفي ذكرى هذا الحدث التاريخي الكبير، يجد بوتين نفسه اليوم في موقع نيقولا الثاني، بحيث إنه إذا لم يتمكن من الإمساك بالدولة من خلال تعزيز العصبية القومية الروسية، كأداة لتوحيد المجتمع تحت قيادته، فإن روسيا قد تسقط مجدداً في دوامة الانحلال والتفكك الداخليين، وهو السقوط الذي تتمناه الدول المعادية لبوتين ولمشروعه. من هنا فإن تحرك بوتين في أوروبا الشرقية (أوكرانيا والقرم) وفي الشرق الأوسط (سوريا والبحر المتوسط) هو جزء من هذه الاستراتيجية الروسية الجديدة. وما لم يدرك العالم العربي هذه الخلفية الفكرية السياسية لبوتين، فإن التعثر في التعامل معه سوف يستمر ويتواصل..