لا أبالغ إذا قلت إن هناك مخططاً كبيراً يتم التحضير لها في أروقة أجنبية لتمزيق الوطن العربي والهيمنة على ثرواته المادية والبشرية، وعلى الأخص العقول العلمية ذات التخصصات النادرة والدقيقة. وهذا المخطط يستخدم اليوم كل الوسائل التي تحقق له مثل هذا الهدف، سواء أكانت هذه الوسائل صلبة (عسكرية وأمنية) أم ناعمة (سياسية وإعلامية ونفسية وثقافية ولغوية)، لتمريره. لكن الذي لفت نظري أكثر في خريطة هذا المخطط، أن إسرائيل تقوم فيه بالدور الأكبر والرئيسي، كونها أولاً دولة استعمارية مصطنعة في المنطقة العربية، وثانياً لأنها تؤمن بنظرية «شعب الله المختار» وبأن إسرائيل هي الأرض الموعودة التي قامت عليها الحركة الصهيونية في فلسطين، وثالثاً لأن تاريخها عبارة عن سلسلة من المؤامرات والحروب الدموية، ولها خبرة طويلة وكبيرة في زراعة الاضطرابات والفتن الطائفية والعرقية والأثنية بين الدول والشعوب في هذا الجزء من العالم. وهناك أجندة واضحة تدعمها بعض الدول الكبرى، والتي تعتبر إسرائيل بمثابة القاعدة الرئيسية في المنطقة العربية لتحريك مصالحها، وأول أهداف هذه الأجندة هو حرمان الدول العربية من: 1- أن تكون لها نهضة صناعية وتقنية مستقلة تنافس بها الدول المتقدمة. 2- أن تكون لها وحدة قوية متماسكة تواجه بها الدول القوية. 3- عرقلة جهود الدول العربية من أجل امتلاك الطاقة النووية. لذلك ركزت إسرائيل وإيران خلال السنوات الماضية، وبشكل لافت للنظر، على تصفية العقول العلمية العربية المتميزة، فتعرض كثير من العلماء العرب والمسلمين الأخص العرب والمسلمين للاغتيال والتصفية الجسدية. ففي العراق وحده، ومنذ الغزو الأميركي البريطاني له، تم اغتيال 730 عالماً وأكاديمياً عراقياً، لأن الصهيونية والقوى الأجنبية تدرك تماماً أن هؤلاء هم جوهر البناء الحضاري وأغلى الثروات التي تملكه الأمة، وهم النواة التي تضيء للدول والشعوب مسالك المستقبل وتدفعها للرقي والنهوض والتقدم. وينقل الدكتور يوسف حسن، في كتابه «اغتيالات علماء العرب»، عن وزير الدفاع الإسرائيلي السابق تأكيده لمثل هذا التوجه عندما قال: إذا امتلك العرب أية كمية من الذرة فإن جنونهم لن يردعهم عن المغامرة، لذلك شكلت إسرائيل جهاز مخابرات لهذه المهمة واسمته «الموساد» وخصصت بداخله وحدة خاصة لجمع المعلومات عن هؤلاء العلماء العرب، وتقصي الحقائق حولهم، ومتابعة نشاطهم، وخاصة علماء الذرة. وخصصت وحدة أخرى للقيام بمهمة الاغتيال والخطف وأعطتها مسمى «كيدون»، وهي الوحدة الوحيدة في العالم المجازة رسمياً للاغتيال وممارسة الإرهاب. في البداية كانت الاغتيالات محصورة على العلماء العرب المتواجدين في الدول الغربية، ثم تطور الأمر بعد أن تغلغلت إسرائيل في بعض المناطق العربية، وصارت لها قواعد ثابتة وأيادٍ خفية، فأصبحت الاغتيالات تجري بوتيرة عالية ضد العلماء العرب فوق الأراضي العربية، وآخر مثال على ذلك اغتيال المهندس التونسي محمد الزواري في وطنه تونس، حيث تم إطلاق النار عليه من قبل «الموساد»، ومن مسافة قصيرة، أثناء تواجده داخل سيارته بأحد شوارع مدينة صفاقس التونسية، على اعتبار أنه مختص في صناعة وتطوير طائرات من دون طيار، وله بحوث تناقش كيفية صناعة الغواصات والتحكم بها عن بعد. هذا هو أسلوب العصابات الذي تعودت عليه إسرائيل في تصفية العلماء العرب.