نحن جميعا سكان العالم، بغض النظر عن انتماءاتنا القومية أو الدينية على اختلافها، نتفق عن حق على بعض المشتركات الإنسانية العامة، وهي أساس الاجتماع البشري وأصل التعايش بين الشعوب والأمم على تباينها· من جملة ذلك مبدأ الائتلاف والتعاون على تحقيق الصالح العام، أيا كانت خلفياتنا أو مشاربنا الفكرية والعقدية· ومنه أيضا فكرة التنوع والاختلاف التي تشكل أساس الاعتراف بالآخر وحقه في أن يكون مختلفا وله ذاتيته الخاصة· إضافة إلى مفهوم النسبية في التطابق والتغاير والحقيقة والوهم··· وهو المفهوم الذي يرسي فكرة التسويات والحلول الوسط في خلافات البشر·
لكن للأسف، نلاحظ أن الفكر المتطرف والجماعات المنتمية إليه، يقعان خارج حقل المشتركات الإنسانية الكبرى، ومن هنا تأتي بذور الصدام الدموي في مواقف هذه الجماعات وعلاقاتها وخلافاتها مع الآخر؛ أكان سياسيا أم دينيا أم حضاريا!
ومن الثقافة التي تلغي الآخر وتشطب فكرة الاختلاف عن آخرها، نبعت الأفكار المتطرفة في التاريخ، وحينئذ أصبحت فئات كاملة من البشر خارج إطار الائتلاف الإنساني العام، ومنبوذة بمعايير الاعتدال والوسطية وثقافة المصالحة·
وربما لأجل ذلك يطارد جماعات التطرف قلق بالغ بالعزلة والتفرد وبالإقصاء والرفض والنبذ من قبل الآخرين· وما ذلك إلا رد على ثقافة الرفض وعوالم المثال المستحيل الذي تحاول تلك الجماعات التبشير بإمكانية تحقيقه· لكن الرفض الذي هو جزء جوهري وأصيل من تلك الثقافة، يقابله رفض شامل، رسمي وشعبي، إزاء ثقافة التطرف ومشروع العودة إلى الوراء، بعيدا عن العصر ومكتسباته التي تحققت لصالح الإنسان وسعادته· لكن التطرف يريد تقويضها لصالح بديله المدمر.
سعاد عمار - المغرب