السلام والاستقرار عنوانان لسياسة دأبت دول مجلس التعاون الخليجي على الدفاع عنهما، باعتبارهما هدفَين عالميَين. وفي كل القضايا الإقليمية التي اتخذت القمة الخليجية الـ 37 في البحرين مواقف منها كان هناك تركيز على التزام القوانين والمعاهدات الدولية ومبادئ حسن الجوار والاحترام المتبادل لسيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وعدم استخدام القوة أو التهديد بها. ومن الواضح أن دول الخليج تعاني، أكثر ما تعاني، من التراجع الخطير والمستمر في هيبة المجتمع الدولي وتأثيره أمام التطرّف الذي بات يسم دولاً كبرى أو أنظمة مارقة تؤوي جماعات الإرهاب وتضعها في خدمة أهدافها، ثم تطرح نفسها في سياق محاربة ذلك الإرهاب آملة في نيل «شرعية» أو «مشروعية» دولية لما تكون حققته من تخريب في دول أخرى. يعني ذلك أن لدى دول الخليج أولاً وأخيراً مشكلة مع انحراف يطاول تطبيق الأهداف الدولية واحترامها، لأن الأنظمة المتطرّفة المتواطئة مع الإرهاب ماضية في تعطيل مجلس الأمن الدولي وتغليب أجنداتها عليه، كما تُظهر مأساة حلب والمعالجة السقيمة للأزمة السورية، أو هي ماضية في ابتزاز الدول الكبرى ودفعها الى تقديم تنازلات في كل ما يمسّ أسس النظام الدولي سعياً إمّا الى حلول خاطئة تقود إلى نتائج خاطئة كما تبدو المقاربة الأميركية للأزمة اليمنية، أو إلى مجرد إدارة أزمة من دون حلول سلمية حقيقية والقضية الفلسطينية شاهد مزمن على ذلك. وبديهيٌ أن الانحدار الدولي يترك الدول والشعوب والمجتمعات المسالمة إزاء العودة إلى خيارات كانت اعتقدتها ولّت إلى غير رجعة، وهي ولّت فعلاً حتى لو أحرز التخلّف والتطرّف «نجاحات» لا يمكن لها أن تدوم. لكن، في ظلّ الانسداد الدولي والإقليمي، فرضت الشراكة الخليجية - البريطانية نفسها كخيار لا بدّ منه بين طرفين تغيرت طبيعة كلٍّ منهما، ويحتاج كل منهما إلى الآخر. ورغم أن أي شراكة تقوم أساساً على المصالح إلا أن لهذه الشراكة رمزيات عدّة، منها التذكير بأن ثمة أبعاداً معنوية وثقافية لا يمكن إنكارها أو التنكّر لها في العلاقات بين الدول، ومنها أيضاً التأكيد بأن أمن المنطقة ليس شأنَ دول الخليج والجوار وحدها بل جزء من استراتيجية دولية، ومنها كذلك التحذير من أن الانكفاء الاميركي قد لا يكون سياسة حصرية لإدارة أوباما، وقد يُستكمل مع إدارة ترامب، وبالتالي فإن هذه الشراكة تشير إلى خطأ تحلّل الولايات المتحدة من التزاماتها ومسؤولياتها في ظرفٍ يشهد تصاعداً للمخاطر على أمن المنطقة واستقرارها. في أي حال، برهنت قمة المنامة على وعي دول مجلس التعاون أنها أمام تحدّيات يمكن إجمالها في اثنين: الأول يتمثّل في الأزمة الناجمة عن هبوط أسعار النفط التي فتحت ملفات المستقبل الاقتصادي والمالي والاجتماعي، وباتت هاجساً لمختلف الحكومات بما تفرضه من تغييرات وإصلاحات متعدّدة الاتجاهات. والثاني يتعلّق بالتدخّلات والتهديدات الإيرانية، التي اتخذت بعداً عسكرياً في الجوار العربي ودفعت بالأمن إلى طليعة الأولويات. هذان التحدّيان مترابطان، فانحسار الأهمية الاستراتيجية للنفط، أدّى من جهة إلى تراجع المداخيل والضغط على الميزانيات الوطنية وانعكاس ذلك على قدرات «دولة الرفاه» ونمط معيشة المواطنين والوافدين، ومن جهة أخرى إلى تراجع الأهمية الاستراتيجية للمنطقة، وبالتالي إلى اهتزاز المعادلة الأمنية القائمة منذ بضعة عقود، نظراً إلى انجذاب الاهتمام الأميركي نحو جنوب شرق آسيا، وهو ما يؤكّده الرئيس الاميركي الجديد بمواقفه غير الودّية المبكرة تجاه الصين. هل يمكن دول الخليج مواجهة هذين التحديَين، وكيف؟ يكمن الجواب في قمة المنامة والقمم التي سبقتها، فهي أكدت وتؤكّد أولاً أن لديها المقوّمات، وثانياً أن مجلس التعاون هو الآلية الضرورية لرفع التحدّيات. فبمقدار ما تحقّق هذه دول الخليج تضامناً وتكافلاً في سياساتها الدفاعية - وقد فعلت ذلك سابقاً - بمقدار ما تستطيع درء المخاطر أو ردعها أو حثّ القوى الدولية على تحمّل مسؤولياتها. أما على المستوى الاقتصادي، ومن خلال تفعيل حيوي لهيئة الشؤون الاقتصادية والتنموية، فيمكن هذه الدول أن تتلمّس حتمية التكامل والربط بين الخدمات والبنية التحتية والمشاريع كافة، إذ أن هناك اقتصاداً خليجياً مهمّاً لكنه لا يرقى الى تكتّل. والمؤكّد أن تحقيق هذا التكتل الاقتصادي سيرقى بدول الخليج الى مستوى «اتحاد» تنشده شعوبها وإنْ بقيت في إطار مجلس للتعاون. فإذا تحققت الفاعلية تصبح التسمية ثانوية.