في منتصف شهر يوليو الماضي، أقر الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي بالقراءة النهائية مشروع قانون يضيّق على عمل المراكز الحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني الإسرائيلية التي ترصد جرائم الاحتلال، وتتلقى دعماً من دول غربية ومؤسسات عالمية. ويعكس القانون أجواء التحريض التي وصلت حد تهديد حياة ناشطين في هذه المراكز والمؤسسات، ومناهضين للاحتلال، وهو قانون تمييزي يستهدف الجمعيات والمراكز الحقوقية والاجتماعية الإسرائيلية المناصرة لحقوق الإنسان الفلسطيني في أراضي 48، ولا يطال أياً من جمعيات اليمين الإسرائيلي المتطرف. ويأتي على رأس تلك المؤسسات والمراكز الإسرائيلية، منظمة «لنكسر الصمت»، التي أسسها جنود وضباط احتياط إسرائيليون في عام 2002، والتي ترصد شهادات وممارسات جنود الاحتلال في سياق التنكيل بالفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومنظمة «حاخامات من أجل حقوق الإنسان»، وحركة «السلام الآن» التي ترصد الاستيطان، و«اللجنة الإسرائيلية ضد التعذيب»، وجمعية «حقوق المواطن الإسرائيلية»، ومنظمة «يش دين (يوجد قضاء)» التي تقدم مساعدات قضائية للفلسطينيين في الضفة. أما أكثرها ملاحقةً الآن فهو «مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان» (في الأراضي المحتلة) «بتسيلم»، الذي يرصد جرائم الاحتلال ضد الفلسطينيين في الضفة والقدس والقطاع. في تقرير نشرته صحيفة «هآرتس» مؤخراً، كانت الحصيلة: «كل هذه المراكز والمؤسسات تنظر إلى القانون والتصريحات ضدها على أنها جزء من حملة يقودها قادة الدولة، وعلى رأسهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو». وجاء في التقرير: «كل ناشطي الجمعيات يشعرون منذ فترة طويلة بأنهم يواجهون عملية إلغاء شرعية نشاطهم، وأن متابعتهم اليومية تحولت إلى عملية ملاحقة واضطهاد، ومحاولات ترهيب وإسكات»، فالناشط البارز «شاي منوحين»، المدير العام لـ«اللجنة الإسرائيلية ضد التعذيب»، أعلن تلقيه تهديدات مباشرة من حملة أطلقتها «إم ترتسو» (إذا أردتم) اليمينية المتطرفة، تحت شعار «المدسوسون»، لملاحقة ناشطي المنظمات الحقوقية، كذلك أعلن مدير منظمة «لنكسر الصمت» (نداف فايمان) تلقيه محادثات هاتفية تضمنت تهديداً بقتله وزوجته وحتى كلب العائلة. كذلك، «أريك آشرمان»، رئيس منظمة «حاخامات من أجل حقوق الإنسان» الذي تعرض لاعتداء جسدي من أحد «المستوطنين». الهجوم على «بتسيلم»، الذي شارك فيه العديد من الساسة الإسرائيليين، على رأسهم نتنياهو، واتهامها بالانضمام إلى المعادين لإسرائيل، جاء بعد مشاركة ممثلين عنها، وعن جمعية «أصدقاء حركة السلام الآن في الولايات المتحدة»، في جلسة عقدت بمجلس الأمن، أكدوا خلالها أن الاحتلال والاستيطان هما سبب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وقال مدير عام «بتسيلم» (حجاي إلعاد) في الجلسة: «الاحتلال في الأراضي الفلسطينية غطاء قانوني لعنف دولة إسرائيل المنظم. على مدار السنوات الـ49 الماضية، والعد ما يزال مستمراً، أصبح ظلم الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، والسيطرة الإسرائيلية على حياة الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، جزءاً من النظام الدولي، ونحن على وشك إتمام نصف القرن الأول تحت وطأة هذا الواقع، وباسم منظمة بتسيلم، أناشدكم اليوم أن تفعلوا ما يلزم فعله، وأي فعل لا يرقى إلى مستوى خطوة دولية حاسمة لن يكون سوى استهلال للنصف الثاني من القرن الأول للاحتلال». وفي ردود الفعل، أعلن نتنياهو أنه «سيعمل على تعديل قانون الخدمة الوطنية» بحيث تتم مقاطعة منظمة «بتسيلم». من جانبها، تابعت وزيرة «العدل» (إيليت شاكيد) التحريض قائلة: «بتسيلم جزء من حملة نزع الشرعية عن إسرائيل»، فيما قال وزير شؤون القدس المحتلة (زئيف إلكين): «بتسيلم تصب الزيت على نار التحريض ضد إسرائيل في العالم ويجب حرمانها من أي امتيازات ضريبية». وفي الاتجاه المعاكس، وبالإضافة إلى أصوات إسرائيلية وأوروبية مندَّدة بهذه الإجراءات، انتقد البيت الأبيض هجوم نتنياهو على المنظمة، وقال الناطق بلسان وزارة الخارجية الأميركية جون كيربي، في تلميح أقرب إلى التصريح: «واشنطن تعتقد أنه على الحكومات الدفاع عن حرية التعبير وخلق أجواء يمكن فيها سماع كل الأصوات. نحن نؤمن بأن المجتمع المدني الحر والمحرر من القيود هو عامل حاسم في الديموقراطية». أما الرد الأبرز فجاء، هذه المرة، من أسرة تحرير صحيفة «هآرتس» حين أعلنت أن الهجمة على «حجاي العاد» (مدير عام جمعية بتسيلم) «تجسد إلى أي درك أسفل تدهورت الديموقراطية الإسرائيلية تحت حكومة الليكود، وأي خطر تتعرض له، فحقيقة أن الأزمة ضمت كذلك نواباً من المعسكر الصهيوني والنائب يئير لبيد، ممن كان يتعين عليهم التحدث بأنفسهم في مجلس الأمن ضد سياسة الاحتلال، تصبح الصورة أكثر سواداً فأكثر». وختمت الصحيفة: «بتسيلم وأمثالها تساهم فقط في تظهير صورة إسرائيل في العالم كدولة لا تزال توجد فيها عناصر ديموقراطية من النشاط المدني من أجل حقوق الإنسان. أما صورة إسرائيل الأخرى، المنبوذة، فمسؤول عنها سياسيو وسياسات إسرائيل في المناطق المحتلة، حيث إن من يلحق الضرر بصورتها هو نتنياهو، وليس حجاي إلعاد».