يطرح ترشيح دونالد ترامب للرئاسة عدة تحديات بالنسبة لوسائل الإعلام الأميركية. ولكنه فشل في واحد على الأقل من الاعتبارات المخيفة: فمنصّات الأخبار يُزعم أنها تحرض بنشاط من طرف قوة أجنبية للتلاعب في الانتخابات الرئاسية الأميركية لمساعدة مرشحها المفضل، ترامب، وللسماح بالتعدي على الحريات المدنية والفردية للمواطنين الأميركيين. وهناك ادعاءات تتردد في صفوف وكالات الاستخبارات الأميركية ووكالات إنفاذ القانون بأن «تفريغ» ويكيليكس لرسائل البريد الإلكتروني الخاص باللجنة الوطنية الديمقراطية، ووزير الخارجية السابق «كولن باول»، ورئيس الحملة الرئاسية لهيلاري كلينتون «جون بوديستا»، هو نتاج للقرصنة الموجهة من قبل أجهزة الاستخبارات الروسية. وقد تم الإفصاح علانية عن هدف مؤسس ويكيليكس «جوليان أسانج» من نشر هذه الرسائل: إلحاق الضرر بترشيح هيلاري كلينتون. والهدف من الإفراج اليومي البطيء عن رسائل «بوديستا» الإلكترونية واضح، وهو استمرار التأثير السلبي على التغطية الإخبارية لكلينتون في الأسابيع الأخيرة من الحملة. وهدف الحكومة الروسية المزعوم من تشجيع الإفراج عن هذه الرسائل من خلال ويكيليكس هو أيضاً واضح بحسب هذه الادعاءات: إبعاد مصدر الرسائل عن أجهزة المخابرات الروسية لإعطائها مزيداً من الشرعية والقيمة الدعائية. وقد قبلت وسائل الإعلام هذه الحيلة. وتعاملت مع الرسائل باعتبارها أساساً مقبولاً للقصص الإخبارية على رغم الافتقار العام لتأييد محتواها، والطبيعة غير المشروعة لطريقة الاستيلاء عليها، والمزاعم عن ربطها بجهاز استخبارات دولة أجنبية. وحجة محرري الأخبار هي التالية: لقد خرجت المعلومات، وواجبنا أن ننشرها، وإذا استطاعت حملة كلينتون أن تثبت أن الرسائل تم التلاعب بها، فإنها ستفعل ذلك. ولكن دعونا نكون واضحين حيال ما حدث. فهل بإمكان أي رئيس تحرير أميركي أن يتلقى مكالمة من رئيس جهاز استخبارات دولة أجنبية ويقبل عرضاً لنشر مستودع من رسائل البريد الإلكتروني من موظفي مرشح للرئاسة الأميركية؟ هذا أساساً هو ما قام به كل من يغطي هذه القصة، في عملية تضع كل وسائل الاتصالات الخاصة لدينا في خطر التعرض لغزو غير قانوني من أي قوة أجنبية أو وكالة محلية. وحرية وسائل الإعلام في نشر مثل هذه المعلومات ربما تكون محمية من حيث المبدأ، ولكن استعدادها للتعامل معها كأخبار يعني أنها قد تخلت عن بعض الأخلاق الأساسية للصحافة المهنية. وقد تجاهلت وسائل الإعلام بشكل واضح الدلائل التي تشير بقوة إلى أن الإفراج عن رسائل «بوديستا» من المرجح أن يكون قد تم بالتنسيق مع حملة ترامب. وفي منتصف شهر يوليو، قيل إن مستشار ترامب «كارتر بيج» قد التقى مع مسؤول الاستخبارات الروسية الذي يُعتقد أنه يوجه القرصنة غير المشروعة المزعومة (ينكر بيج أن مثل هذا اللقاء قد تم أصلاً)! وفي وقت لاحق من هذا الشهر شجع ترامب علانية روسيا على قرصنة البريد الإلكتروني الخاص بكلينتون. وفي منتصف شهر أغسطس، كان مساعد ترامب «روجر ستون» يتفاخر بعلاقته بـ«أسانج» وبعد ذلك حذر «بوديستا» على تويتر من أنه هدف تسريب ويكيليكس القادم. ومن الممكن رؤية النتائج الكاملة لهذا الجهد على موقعي «فوكس نيوز» و«بريتبارت»، وهما ضمن أجهزة الدعاية الرئيسية لحملة ترامب. فكل تصريح مرتجل كان يتم تحويله إلى إساءة من قبل اللجنة الوطنية الديمقراطية أو كلينتون أو زوجها أو مساعديها. ولا شيء يحتاج إلى إثبات طبعاً. ويكفي نشر رسائل البريد الإلكتروني وقبولها من قبل وسائل الإعلام الأخرى. والأمر المثير للرعب هو أنه قد صار من الواضح تماماً أن وسائل الإعلام الأميركية غير قادرة على حماية نفسها من التلاعب الموجه من خلال استخدام وثائق ملفقة قبل الانتخابات مباشرة. وأنها قد تقبل، بغض النظر عن أن المصدر، أي وثائق أو تسجيلات أو اتصالات، قد تنشرها سلطة دولة أجنبية من خلال ويكيليكس. وتحذير كلينتون في المناظرة الثالثة بشأن التحدي «غير المسبوق» الذي يمثله تدخل روسيا المزعوم في الانتخابات الأميركية قد تم تجاهله باعتباره يخدم مصالح شخصية. ورفضها الرد على أي أسئلة تستند على ويكيليكس ينظر إليه باعتباره مماطلة وتهرباً من أسئلة تتعلق بسلوك غير أخلاقي، وهنا المفارقة الحقيقية، في أداء بعض وسائل الإعلام. ------------------ إريك تشينويث* * المدير المشارك لمعهد الديمقراطية في أوروبا الشرقية ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»