مرة أخرى، خرجت الأزمة السياسية التي تختمر منذ فترة طويلة في فنزويلا إلى الشوارع، فقد خرج الآلاف يهتفون ضد الحكومة التي واجهت المحتجين بالقنابل المسيلة للدموع، وقد يبدو أنه لا جديد في هذا بالنسبة للمراقبين، ولكن هذه الاحتجاجات مختلفة وأكثر جدية من المرات السابقة، فقد أحبطت لجنة انتخابية تهيمن عليها الحكومة في الآونة الأخيرة مسعى المعارضة لإجراء استفتاء على بقاء أو رحيل الرئيس نيكولاس مادورو، فقد استبعد قرار اللجنة استخدام صندوق الاقتراع كحل للأزمة، وبهذا خرجت احتجاجات في الشوارع. ومن يتابع استطلاعات الرأي في الآونة الأخيرة يرى أن معدلات عدم الاستحسان لأداء الحكومة مرتفعة، وكان النظام يعرف أن قرار رفض الاستفتاء سيُواجه باحتجاج في الشوارع، ولكنه اعتقد أن نوبة الغضب قد تمر بسهولة، ولكن أدى قرار عدم تلبية الدعوة إلى الاستفتاء إلى عاصفة سياسية وخلق تحولاً سياسياً تمثل في توحيد صفوف المعارضة الشهيرة عادة باستعصائها على الوحدة. وقد جادل المعتدلون بأنه يجب التصدي للنظام الحاكم بكل السبل الدستورية المتاحة لكسب مساحة ومصداقية انتخابية تدريجياً، ولكن المتشددين أرادوا استراتيجية أشد حدة. ورأى المتشددون ضرورة نقل الصراع مع الحكومة في المقام الأول إلى الشوارع، ولكن الاحتجاجات الكبيرة التي عرفتها فنزويلا في بداية عام 2014 عمقت الشقاق، فقد نزل المتشددون إلى الشوارع وأقاموا المتاريس واشتبكوا مع الشرطة، بينما مكث المعتدلون في المنازل وانتقدوا عدم قدرة المتشددين على ضبط النفس. واعتبر المعتدلون الاحتجاجات أمراً سابقاً لأوانه مع الأخذ في الاعتبار أن الدستور يتيح فرصة للتصويت على بقاء مادورو بعد مرور نصف فترته الرئاسية، أي في هذا العام، واعتقدوا أيضاً أن على المعارضة ككل أن تستنفد كل السبل الدستورية قبل الانتقال إلى مواجهة أكثر حدة، وفشلت احتجاجات عام 2014 بسبب تقاعس المعتدلين عن دعمها، ثم شارك المتشددون في انتخابات ديسمبر عام 2015 التي فازت فيها المعارضة بأغلبية الثلثين في الجمعية الوطنية (البرلمان)، وظن البعض أن المعارضة قد أصبحت قوة ذات ثقل في مواجهة الحكومة. ولكن في غضون أيام عاد النظام إلى سابق عهده باستغلال أغلبيته في البرلمان السابق الذي توشك صلاحيته على الانقضاء في ملء المحكمة الدستورية العليا في فنزويلا بمجموعة من المؤيدين بشدة للنظام، وأصبحت المحكمة تعارض أي مشروع قانون تتقدم به الأغلبية المعارضة في البرلمان، وبالتالي انتشر اعتقاد بين بعض المتشددين بعدم جدوى العمل من خلال مؤسسات النظام، وجاء قرار الأسبوع الماضي برفض الاستفتاء ليعزز الوحدة داخل المعارضة. فرانشيسكو تورو مدير تحرير مدونة «كاراكاس كرونيكلز» ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»