يحتل تطوير مهارات وخبرات مواطني الدولة أولوية قصوى لدى كافة الجهات الحكومية في الدولة سواء الاتحادية أو المحلية. وفي هذا الإطار تقوم كل جهة حكومية بتخصيص مبالغ ضخمة سنوياً لأغراض التدريب والتعلم المهني كما يتم تكليف أقسام وإدارات التدريب والموارد البشرية بإعداد خطط التدريب والتطوير الوظيفي السنوية التي تنقسم عادة إلى ثلاثة أقسام رئيسية: التدريب الإداري العام، التدريب على تقنية المعلومات والتدريب التخصصي على مهام وظيفية محددة. وقد بادرت بعض الجهات الحكومية بإنشاء إدارات تقوم على تنفيذ تلك المهام وأطلقت عليها: رأس المال البشري، إيماناً منها بأن أساس تطوير ونهضة دولة الإمارات العربية المتحدة يكمن في تطوير المواطن الذي هو رأس المال البشري الحقيقي. ولم تقف تلك الجهات عند حدود دولة الإمارات بل تقوم أيضاً بإيفاد موظفيها لدول أخرى للنهل من أنهار المعرفة والاستفادة من أفضل التطبيقات العالمية في مجالات متعددة. وكنتيجة طبيعية برزت على الساحة المحلية مئات المؤسسات التي تقوم بتزويد خدمات التدريب المهني للجهات الحكومية، والتي كان لها أثر إيجابي وآخر سلبي. ويتمثل الجانب الإيجابي في قيام مزودي التدريب في الدولة بدور مهم في مساعدة الجهات الحكومية على تنفيذ خططها التدريبية وتطوير مهارات موظفيها، مما ساهم في تحقيق تلك الجهات للعديد من أهدافها في تنمية الموارد البشرية المواطنة. أما الجانب السلبي، والذي استمر في التنامي بصورة ملحوظة خلال العقد الأخير، فقد انعكس في تدهور مستويات الجودة في خدمات التدريب، والتي تراجعت بشدة أمام زيادة اهتمام العديد من مزودي التدريب بالجوانب التجارية على حساب التميز في التدريب. وتعددت مظاهر انخفاض الجودة في التدريب المهني لتشمل ضعف قدرات بعض المدربين وعدم الالتزام بتوفير بيئة تعليمية وتدريبية مناسبة في مقر الجهة التدريبية بجانب القصور الشديد في إعداد خطط عمل واضحة وزمنية ودراسات جدوى قوية وعدم استقطاب الموظفين المؤهلين علمياً وعملياً لمتابعة تنفيذ الدورات التدريبية، وانعدام تطبيق نظم تقنية حديثة لتسجيل المتدربين وحفظ بياناتهم لفترات طويلة، إضافة لعدم توافر سياسات وآليات في مجالات تسجيل المتدربين والشكاوى والتقييم وإدارة المخاطر وغيرها. ونتيجة لتلك الأوضاع قامت الدولة بإنشاء العديد من الجهات المحلية والاتحادية بهدف تقييم التدريب والتعلم المهني ووضع خطط تطويره وآليات الرقابة على مزودي التدريب والقضاء على مظاهر التدهور والضعف ووضع أسس قوية للجودة في سوق التدريب. ويأتي «مركز أبوظبي للتعليم والتدريب التقني والمهني» في أبوظبي و«هيئة المعرفة وتنمية الموارد البشرية» في دبي في مقدمة الجهات المحلية التي تعمل في تنسيق وتعاون مثالي للارتقاء بجودة العملية التدريبية بما يتفق والخطط الاستراتيجية لكل إمارة في مجال تطوير العنصر البشري الوطني. فنلاحظ، على سبيل المثال، قيام هاتين الجهتين بإجراء دراسات معمقة وشاملة لأوضاع التدريب المهني مما ساعدها في تحديد جوانب القصور والثغرات، وبالتالي تقوم تدريجياً بعلاج تلك الأوضاع السلبية من خلال فرض معايير واشتراطات عالمية للسماح لمزودي التدريب بممارسة أعمالهم. ثم قامت قيادة الدولة الرشيدة بإنشاء الهيئة الوطنية للمؤهلات والمنوط بها تطوير المنظومة الوطنية للمؤهلات، والمساهمة في تعزيز جودة التعليم والتدريب المهني في الدولة، وتطوير سياسات الاعتراف بالتعلم والخبرات السابقة، وترخيص مؤسسات وبرامج التعليم والتدريب المهني. ?وبهذا ?تتكامل ?الجهود ?والسياسات ?على ?المستويين ?الاتحادي ?والمحلي ?بهدف ?إتاحة ?الفرصة ?أمام ?الجهات ?الحكومية ?للحصول ?على ?خدمات ?تدريب ?راقية ?بمعايير ?عالمية. ولكن، برأيي الشخصي، يظل هناك احتياج دائم لنشر التوعية بين المواطنين بأهمية الحصول على خدمات تدريب ذات جودة عالية، وفي الوقت نفسه مطابقة لمعايير واشتراطات جهات الترخيص المعنية لكي تتحقق الفائدة المرجوة من مثلث الجهة التشريعية والمتدرب ومزودي التدريب، والتي ستنعكس بلا ريب بالإيجاب على مستقبل التدريب والتعلم المهني في الدولة.