بدأت قبل أيام قليلة معركة تحرير الموصل من أيدي عصابه إرهابية احتلتها قبل عامين. وتأتي أهمية المدينة لكونها ثالث أكبر مدينة عراقية من حيث عدد السكان بعد بغداد والبصرة، حيث يسكنها قرابة مليون وثمانمائة ألف نسمة، غالبيتهم من السُّنة. والموصل مدينة جميلة تطل على نهر الفرات، وتقابلها من الجانب الآخر للنهر مدينة نينوى بآثارها التاريخية. وبجانب أهل السُّنة، فإن الموصل كانت تحوي مزيجاً بشرياً متجانساً من الأقليات العراقية من الأشوريين والإيزيديين وغيرهم. وكانت الموصل هي المدينة التي انطلقت منها ثورة العشرين في القرن الماضي، وكانت تهدف إلى الانفكاك من الاحتلال البريطاني. وكان من أهم زعماء تلك الثورة جعفر أبو التمن وغيره من أبناء التجار في الموصل. وحين احتل تنظيم «داعش» المدينة قبل عامين فإن التناغم والتجانس البشري الذي كانت تنعم به الموصل أصبح جزءاً من الماضي، خاصة حين قتل «داعش» الرجال واستعبد النساء، وبهذا فقد انكسر القدح الجميل الذي كان سائداً في كل أنحاء العراق قبل الغزو الأميركي للبلاد في عام 2003. وحل محل هذا التجانس مرجل مذهبي نتن يغلي في كل أنحاء البلاد. وأصبح كل فرد لا يثق بمواطنه ناهيك عن ثقته بدولة وطنية واحدة تمذهبت على أيدي المليشيات وأصبحت خراباً يعبث به الفاسدون. واليوم كما أن الموصل كانت العاصمة الاقتصادية للشمال بإنتاجها للنفط والغاز والحبوب، فإن حرب اقتلاع «داعش» لا تقف فقط على أبواب المدينة بل يطمح بعض المشاركين فيها من المليشيات الطائفية إلى اقتلاع سكانها الأصليين وتشريدهم وإحلال هوية ديموغرافية وسكانية جديدة في المدينة. فالأكراد من جهتهم يطمحون إلى جعل المدينة جزءاً من مناطق نفوذهم الممتدة من شمال العراق إلى شمال غرب سوريا وبناء دولة كردية ممتدة. والجماعات الشيعية المقاتلة تريد تحويل المدينة وقراها إلى مناطق نفوذ لمليشيات ما يسمى «الحشد الشعبي» ومتطوعيها القادمين من الجنوب. أما إيران فتريد أن تمد نفوذها إلى البحر المتوسط عبر الموصل وحلب المنكوبتين. أما تركيا فهي تحاول بدورها أن تعيد عجلة الزمن وتوقف حلقة تاريخية بدأت بعد الحرب العالمية الأولى حين تفككت الدولة العثمانية ونجحت بريطانيا حينئذ في ضم إقليم الموصل إلى بقية أقاليم العراق، الوسطى والجنوبية. والزعماء الأتراك يحاولون الاستفادة من حقول النفط الغنية في الموصل وكركوك، كي يجعلوا من تركيا الحديثة الغنية بالزراعة، دولة غنية كذلك بالنفط والغاز اللذين تحتاجهما عجلة الصناعة التركية. وربما كان أضعف المشاركين في الحرب هو حكومة العراق المركزية التي يمكن أن توقف كل هذه التجاوزات المتوقعة بعد نهاية الحرب، خاصة إذا كانت هناك إرادة أميركية لإبقاء ما بقي من العراق موحداً في ظل حكومة وطنية ومركزية واحدة. وهذا تحدٍّ مأمول ولكن يصعب تحقيقه في ظل المعطيات الميدانية والوعود التي قطعت لبعض الأطراف المشاركة في الحرب. وهكذا هي الحروب، فهي محنة في أولها ومحنة في آخرها. وكل من يقاتل لا يفعل ذلك بالضرورة من أجل المال فقط، ولكن من أجل مكسب سياسي واستراتيجي يأتي بعد أن تحط الحرب أوزارها. ولذا فعلى دول التحالف العربي المشاركة في الحرب ضد «داعش» أن تلعب دورا أساسياً بعد نهاية الحرب، ليس فقط من أجل إعادة بناء المدينة وإعادة سكانها المهجّرين منها وضمان أمنهم واستقرارهم وتعايشهم مع جيرانهم من الأقليات الأخرى التي عانت الأمرَّين من حكم «داعش»، بل كذلك منع أي تطهير طائفي أو تهجير محتمل بعد نهاية الحرب. حمى الله العراق أو ما تبقى منه، وحمى الله سكان الموصل اللذين عانوا طويلًا من ويلات الحروب ومآسيها، وقد آن الأوان ليعيدوا السلام في أرضهم وبين بعضهم بعضاً. ------------------ * أستاذ العلوم السياسية بجامعة الملك سعود