لا شك أن إقامة الجدران والأسوار ووضع الأقفال، تمثل إجراءات عملية للحد من حالات عدم اليقين والمخاطر والتهديدات الأمنية في العالم. لكن هل الجدران الأكثر ارتفاعاً والأسوار الأشد متانة والأقفال الأكثر صلابة وإحكاماً.. هي دائماً وفي كل الحالات أفضل وسيلة لتحقيق الأمن على المدى الطويل؟ هناك حالات اختبار تستحق الدراسة وإمعان النظر في دروسها الضمنية، فحاجز الفصل الذي يمتد بطول 420 ميلاً ويفصل إسرائيل (فلسطين 1948) عن الضفة الغربية، على سبيل المثال، ظل تحت الإنشاء لمدة 13 عاماً. وحتى منتقدو هذا الحاجز (تعتبره إسرائيل «أمنياً») اعترفوا بأنه نجح في ردع هجمات المسلحين الفلسطينيين ضد أهداف إسرائيلية داخل الخط الأخضر، لكن الإسرائيليين والفلسطينيين قُدر لهم العيش جنباً إلى جنب على جزء صغير من فلسطين التاريخية التي يتنازعان عليها. ومن المرجح أن تستمر حالة انعدام الثقة والاستياء المتبادل، والتي تولد التشدد والرفض، حتى يقبل الطرفان معاهدة شاملة تضمن التقسيم العادل للأرض والموارد، فضلاً عن الاعتراف المتبادل وإيجاد ميثاق لعدم الاعتداء. وفي حين أن حاجز الفصل الإسرائيلي ربما يكون «ضرورياً» من أجل الحماية مؤقتاً، إلا أنه ليس كافياً من أجل إرساء السلام والأمن على المدى الطويل. والأسوار الحدودية التي تعلو في وسط وجنوب شرق أوروبا، هي أيضاً ناجحة. فهي تمنع تدفق اللاجئين والمهاجرين من أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا. بيد أن المهاجرين يتخذون مسالك أكثر خطورة عبر البحر المتوسط، وسيظل حافز مغادرة الوطن قوياً مع استمرار الحروب وموجات الجفاف وأوضاع الفقر. وهناك أيضاً الحدود الأميركية المكسيكية. وقد قام «وارين ريتشي»، الصحفي بجريدة «كريستيان ساينس مونيتور»، مؤخراً بزيارة مسار الحاجز الذي اقترح دونالد ترامب إقامته بارتفاع يتراوح بين 30 و40 قدماً. ولطالما كان الدخول غير الشرعي للأشخاص والبضائع والسلع المهربة عبر الحدود، يمثل مشكلة بالنسبة للولايات المتحدة. ويختلف القليل من الأميركيين على الحاجة لوجود حاجز أمني حقيقي ورادع، وعلى ضرورة وجود تعاون أفضل بين وكالات إنفاذ القانون في جميع أنحاء أميركا اللاتينية، ووجود فرص اقتصادية أفضل لتعزيز الحوافز بالنسبة للمهاجرين المحتملين للبقاء في الوطن. هذه هي الاستراتيجية الحالية. إن الجدار الذي اقترحه ترامب سيكون مكلفاً (نحو 25 مليار دولار وفقاً لبعض التقديرات)، وسيكون تحولاً عن نهج الشراكة المتعددة نحو التركيز على التحصين والعزلة، والذي من الممكن أن يتزايد إذا ما نجح الجدار في عزل المكسيك، وإذا ما كان مصحوباً بانخفاض في التجارة بين دول أميركا الشمالية. كما ستكون لهذا الجدار عواقب بيئية، من شأنها رفع تكاليف البناء، لما سيحتاج إليه من الخرسانة والحديد. ويكاد يكون من المؤكد أن جداراً كهذا لن يستطيع ردع المهاجرين العازمين والمهربين. وفي نفس الوقت فقد تسببت العوامل الديموغرافية والاقتصادية في الحد من تدفق الناس من المكسيك، ومن المرجح أن يستمر هذا الاتجاه. جون يما كاتب أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»