من المؤكد أن نشر ثقافة معينة جنباً إلى جنب مع نظام قائم لعقود من الزمن هي محاولة تحتاج إلى صبر ومثابرة وتعاون بين العديد من الجهات المعنية من أجل توفير «الجسر» بين التعلم خارج المؤسسات التعليمية التقليدية وبين الاعتراف بالخبرات والمهارات واعتمادها أكاديمياً، وهذا ما حدث في العديد من دول العالم التي مرت بتطورات وتحديات ومراحل عديدة حتى استطاعت في النهاية أن تجعل من الاعتراف بالتعلم والخبرات المسبقة أمراً واقعاً، بل وتقوم عليه استراتيجيات التنمية والتطوير. فالاعتراف بالتعلم والخبرات المسبقة هو في واقع الأمر مجموعة من الخطوات والإجراءات ضمن سياسة معينة تقوم على تنفيذها مؤسسات تمثل كل فئات المجتمع. وتضم تلك المؤسسات، الجهات الرسمية في مجال التعليم والمؤسسات العسكرية والكليات والجامعات ومراكز التدريب والتطوير المهني وغيرها. وتركز سياسة الاعتراف بالتعلم والخبرات المسبقة على تقييم القدرات والمهارات والخبرات، وحتى الهوايات التي يمتلكها الأفراد ومواءمتها مع المعايير والمحصلات التعليمية المعتمدة لتحديد المستوى الأكاديمي المناسب للفرد. وقد قام عديد من الدول بتطبيق سياسة الاعتراف بالتعلم والخبرات السابقة والمهارات بعد أن أضحى لدى حكوماتها قناعة بضرورة تقنين تلك العملية المستمرة بحيث يمكن تحويلها إلى ساعات ومستويات أكاديمية، والهدف هنا هو نشر ثقافة التعلم وتطوير المهارات والخبرات لدى مواطني تلك الدول بحيث يطمئنون إلى أن جهدهم وسعيهم إلى التطوير الشخصي والمهني لن يذهب سدى، وإنما يحظى باعتراف رسمي، وبالتالي تشجيعهم على المشاركة في خطط تنمية مجتمعاتهم. ومن أبرز تلك الدول المملكة المتحدة، أستراليا، فرنسا، نيوزيلندا، جنوب أفريقيا، الولايات المتحدة الأميركية، كندا، تركيا واسكتلندا. ويوجد عديد من الجامعات في تلك الدول التي تعترف بالتعلم والخبرات السابقة، وبالتالي تمنح مواطنيها فرصة إكمال دراساتهم الجامعية بناء على اختبارات تحديد المستوى حتى لو لم يكن لديهم شهادة أكاديمية سابقة للدرجة الجامعية التي يرغبون بدراسة برامجها. ومن تلك الجامعات «برستول» و«لندن» في بريطانيا، «هريوت – وات» في اسكتلندا، «ماكواري» و«فكتوريا» في أستراليا، «جوهانسبرج» في جنوب أفريقيا، «أنقرة» في تركيا، و«تيكسيلا» و«هاواي» في الولايات المتحدة الأميركية. ولكي يتضح الأمر أكثر بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة؛ دعوني أعرض لكم تجربة ونموذجاً عالمياً تميزت به الدولة في المنطقة. والمقصود هنا هو عضوية الدولة منذ عام 1997 في منظمة المهارات الدولية التي تقوم بتنظيم مسابقة المهارات العالمية بمشاركة 65 دولة في 6 قطاعات و45 فئة من المهارات، وتمثل تلك المسابقة التميز العالمي في مجال التدريب المهني والتقني، وقد فازت الدولة منذ عام 2007 بالعديد من الميداليات الذهبية والفضية والبرونزية، وستستضيف الدولة الدورة 44 لمونديال مهارات العالم في عام 2017. وهنا يبرز السؤال الأهم: لماذا لا يتم الاعتراف بالمهارات التي يمتلكها المواطنون المشاركون في مسابقة المهارات العالمية، بحيث يتم تحديد وإثبات مستواهم ثم تحويل ذلك لساعات أكاديمية مما يمنحهم الفرصة لاستكمال دراستهم الجامعية؟ وبحيث لا تقف مسيرتهم عند حدود المشاركة في المسابقة فقط، بل يتم منحهم اعترافاً رسمياً من الدولة بمهاراتهم أسوة ببقية مواطني الدول التي تطبق سياسة الاعتراف بالتعلم والخبرات السابقة، والأمر نفسه ينطبق على المواطنين المشاركين في الأنشطة التطوعية في الأندية الرياضية والهلال الأحمر الإماراتي، وجمعيات النفع العام وغيرها من الجهات، والتي يكتسب فيها المواطن يومياً المزيد من الخبرات والمهارات، والتي يتم الاعتراف بها في دول أخرى. ويقيني أن الجهات المعنية في الدولة سوف تتعاون مع الهيئة الوطنية للمؤهلات، والتي أخذت على عاتقها تحقيق عدة أهداف من أبرزها نشر وترسيخ ثقافة الاعتراف بالتعلم والخبرات السابقة وتحويلها إلى نظام وإطار وطني، وذلك حتى تتحقق الأهداف الاستراتيجية للدولة في مجالات التنمية والتطوير.