كثير من الأحكام التي أطلقها الغرب على الحضارة الإسلامية إنما هي وليدة الاستعمار الحديث وصراع القوى بين الغرب الاستعماري والدول الإسلامية التي تتحرر منه لتنال استقلالها. وقد وضح ذلك في الاستشراق التقليدي وفي العلوم الاجتماعية الغربية الحديثة وخاصة علوم أنثروبولوجيا الثقافة. ومن هذه الفترة الحاضرة بدأ تعميم الأحكام على الماضي والمستقبل وقراءة تاريخ الحضارة الإسلامية ومستقبلها من منظور صراع القوى الحالي، وتهميش أي دور حضاري للإسلام وتعظيم دور الغرب. ومن الظلم المقارنة بين الثقافتين الإسلامية والغربية في لحظة واحدة. إذ تعيش كل ثقافة في مسار تاريخي خاص. فالثقافة الغربية مرت بثلاثة عصور، القديمة، والوسطى، والحديثة. في العصر القديم لم يكن الإسلام قد ظهر بعد أو انتشر. فورث الحضارة القديمة اليونانية واللاتينية وتراث الآباء اليونان واللاتين، ترجمة وتعليقاً، وشرحاً وتلخيصاً، وعرضاً وتأليفاً، وقراءة وتأويلاً. وانتحالاً وإبداعاً. وفي العصور الوسطى نشأت الحضارة الإسلامية الزاهرة في عصرها الذهبي، عصر المتنبي والبيروني والتوحيدي وابن سينا وابن الهيثم، وهو ما يقابل العصر الوسيط الأوروبي. ثم بدأ عصر الشروح والملخصات في الحضارة الإسلامية التي استدعت بالذاكرة ما أبدعته قديماً بالعقل. وهي فترة العصور الوسطى بالنسبة لها. وهو العصر الذي بدأ فيه الغرب الترجمة من العربية إلى اللاتينية للعلوم الرياضية والطبيعية والفلسفية الإسلامية التي كانت وراء النهضة الأوروبية الحديثة. فالعصور الوسطى الأوروبية من القرن السابع حتى القرن الرابع عشر الميلادي تقابل عصرنا الذهبي في القرون السبعة الهجرية الأولى التي أرخ لها ابن خلدون. والعصور الحديثة الأوروبية من القرن الخامس عشر حتى القرن الحادي والعشرين تعادل عصورنا الوسطى، من القرن الثامن حتى القرن الرابع عشر الهجري. فكل حضارة الآن تعيش لحظة تاريخية مختلفة عن الأخرى نظراً لاختلاف مساريهما التاريخي. الآن العصور الحديثة الغربية التي بدأت منذ الإصلاح الديني في القرن الخامس عشر، وعصر النهضة في السادس عشر، والعقلانية في السابع عشر، والتنوير في الثامن عشر، والعلم في التاسع عشر تنتهي في أزمة القرن العشرين وما بعد الحداثة في القرن الحادي والعشرين. وعصورنا الوسطى التي بدأت منذ ابن خلدون في العصر المملوكي التركي العثماني، عصر الشروح والملخصات والموسوعات الآن تنتهي منذ فجر النهضة العربية الحديثة والحركات الإصلاحية في القرن الماضي التي منها خرجت حركات التحرر الوطني ضد الاستعمار الأوروبي وبعدها تم إنشاء الدول الحديثة. والغالب على صورة الحضارة الإسلامية في الغرب هي الصورة النمطية التقليدية الموروثة عن العصر التركي المملوكي العثماني، الصورة التي أعطتها تركيا للغرب في أوج الامتداد في شرق أوروبا حتى أبواب فيينا. وهي الصورة التي تناقلها الاستشراق التقليدي في القرن التاسع عشر. هي صورة الحضارة الإسلامية النمطية بعد أن فقدت تعدديتها منذ القرن السادس. أخذ الغرب صورة التدين الذي يثبت الخوارق وليس قوانين الطبيعة، والسحر والخرافة وليس العقل والبرهان. عرف الغرب الإسلام التقليدي الشائع، أي ثقافة الأغلبية الشعبية، وشكّل من ذلك ترسانة من الصور النمطية. لذلك فإن مهمة المفكرين المعاصرين والباحثين في التراث هي إبراز الجوانب المستبعدة منه، والمهمشة فيه، العقلانية عند المعتزلة وابن رشد، والعلوم العقلية الخالصة الرياضية والطبيعية. والانفتاح على العصر، والآخر، مع التمسك بأصالة الثقافة والهوية، وهو ما سماه بعض المعاصرين «الإسلام المستنير». * أستاذ الفلسفة في جامعة القاهرة