في شهر سبتمبر من عام 1599، دخل حدّاد وموسيقي إنجليزي في الرابعة والعشرين من عمره، قادم من مدينة وارينغتون البريطانية، إلى قصر «طوب قابي» في إسطنبول، عاصمة الدولة العثمانية في حينه، وطفق يعزف على آلة الأرغن التي جلبها معه «أمام أقوى حاكم في العالم» آنذاك. الأمر يتعلق بالسلطان العثماني محمد الثالث. أما الأرغن الميكانيكي، فقد كان جزءاً من سفينة محملة بالهدايا المختلفة أرسلتها ملكة إنجلترا إليزابيث الأولى إلى السلطان العثماني، رغبةً منها في توطيد التحالف الإنجليزي التركي الذي دام أكثر من عقدين من الزمن. الموسيقي الإنجليزي، واسمه «توماس دالام»، قدّم أداءً نال إعجاب الحاضرين في مجلس السلطان. أما السلطان فأُعجب أيضاً بالهدية الجديدة المقدَّمة من الملكة أيّما إعجاب، فعرض على الفور جارية حسناء من حريم القصر على الإنجليزي الشاب لتكون زوجته. لكن «دالام» عرف كيف يعتذر بلباقة للسلطان عن هذا الزواج وانصرف، بيد أن مع ذلك تمت مكافأته بكيس كبير من الذهب. في كتابه الجديد الصادر مؤخراً، وعنوانه «السلطان والملكة»، يقول المؤرخ البريطاني جيري بروتون: «إن الآلاف من رعايا الملكة إليزابيث الأولى كانوا موجودين في أراضي العالم الإسلامي، وذلك مع نهاية فترة حكمها للعرش البريطاني». فمن المغرب غرباً إلى فارس شرقاً، أقام هؤلاء الإنجليز في بلاد الإسلام، واشتغلوا في مهن مختلفة، وتفاوضوا حول قضايا تجارية وسياسية وعسكرية متباينة، كما تجسسوا على حكومات وجيوش العالم الإسلامي، وفي مرات عديدة دخلوا في الإسلام (اقتناعاً أو تظاهراً). وفي محاولة منها لتعديل ميزان القوة مع التهديد الذي كانت تطرحه بالنسبة إليها إسبانيا الكاثوليكية، القوة العالمية العظمى في ذلك العصر، قامت الملكة إليزابيث بنسج «شبكة مذهلة» من التحالفات الدبلوماسية والاتفاقيات التجارية التي ربطت إنجلترا بكل من المغرب والإمبراطوريتين العثمانية والفارسية. ومع نهاية القرن السابع عشر الميلادي، كان هذا الجدار الإنجليزي- الإسلامي ضد الهيمنة الإسبانية قد أصبح يمتد على طول 7000 كيلومتر، أي من مراكش إلى أصفهان مروراً بإسطنبول. قصة العداء بين القوتين الأوروبيتين، إسبانيا وإنجلترا، وقتئذٍ تعود إلى قرار الملك الإنجليزي هنري الثامن، بإرساء القطيعة مع روما (عاصمة الكاثوليكية)، ثم الرد الصادر من البابا «بيوس الخامس» لابنة الملك البريطاني لاحقاً، وذلك في عام 1570، من الانتماء إلى الكنيسة، وذلك بسبب ما نسب إليه من «هرطقة». وفي ظل هذه الخلافات وظروف العلاقات الصراعية المعقدة، وجدت إنجلترا نفسها معزولة ومنبوذة من قبل أوروبا الكاثوليكية. وكانت في حاجة ماسّة إلى أصدقاء وحلفاء أقوياء في مواقع استراتيجية عبر العالم، لا يمكن أن تجود بهم سوى بلاد الإسلام في شمال إفريقيا والشرق الأوسط. وهكذا، تم تعبيد الطريق لقرابة نصف قرن من العلاقات، والاتفاقيات، والمغامرات، لكن أيضاً من المؤامرات والخلافات، وحوادث سوء الفهم: قصة لا يعرفها سوى القلة من الباحثين والمؤرخين، يعيد سردها «بروتون» بإتقان وغير قليل من السحر والتشويق في كتابه الذي نعرضه هنا. ومن الواضح أن سعي الملكة إليزابيث لنسج علاقات تعاون وتحالف استراتيجي مع العالم الإسلامي، كانت تمليه ظروف سياسية، إقليمية وعالمية، بالنظر إلى موقف إسبانيا، وهي القوة العظمى في حينه، والتي كانت تَعتبر إنجلترا دولة مارقة على الكنيسة وعلى التعاليم الكاثوليكية، خصوصاً على ضوء استباحة البابا لدم الملكة بسبب تكريسها للقطيعة التي بدأها والدها مع روما وإقامته كنيسة بروتستانتية مستقلة عن بابا روما. وعلى هذه الخلفية، كان أعداء إسبانيا الكاثوليكية -وهم سلاطين المغرب والخلفاء العثمانيون- أصدقاءها «الطبيعيين». الاعتبارات السياسية كانت قوية إذن في هذا التحالف البريطاني الإسلامي، لكنها لم تكن الوحيدة في هذا الصدد، بل كان ثمة أيضاً تفسير له علاقة بالجانب الديني البحت، حيث تقرر على الجانب الآخر أن البروتستانت «شركاء طبيعيون» للمسلمين، لأن كلاهما يمقت عبادة الأوثان في حين أن الكاثوليكية، بقديسيها وأضرحتها وطقوسها الكهنوتية الكثيرة، اعتُبرت في الشرق كما لو أنها أقرب إلى الوثنية. فقد كان المسؤولون في البلاط العثماني سعداء بالتعامل مع مبعوثي الملكة إليزابيث، «لأنهم لوثريون (نسبة إلى الكنيسة اللوثرية)، وأناس طيبون أيضاً». وفي رسالة إلى السلطان العثماني، وصفت إليزابيث نفسها بكونها «أشد منافحة عن الديانة المسيحية ضد كل أشكال عبادة الأصنام»، في تعريض مباشر بالمذهب الكاثوليكي والدول المنافسة التي تعتنقه. وبالطبع كان العامل الاقتصادي حاضراً هو أيضاً في هذه العلاقات البريطانية الإسلامية المستجدة. ففي عام 1570، أدى طرد الملكة إليزابيث من الكنيسة الكاثوليكية إلى عزل إنجلترا عن شركائها التجاريين الأوروبيين الآخرين، إضافة إلى تحررها من أوامر البابا الدينية التي تحظر إقامة علاقات تجارية مع الدول الإسلامية. وهكذا، فعندما اقترح التجار الإنجليز على الملكة أن تسعى إنجلترا لإقامة علاقات وثيقة مع العالم العربي والإسلامي، كان ردها إيجابياً للغاية. ففي ذلك الوقت، لم تكن أميركا الشمالية قد أصبحت سوقاً مهماً لصادرات إنجلترا بعد، ولا مصدراً لواردات إنجليزية ذات بال، وكانت إنجلترا تأمل في الحصول على سلع مهمة مثل السكر والبهارات والحرير والقطن، وكذلك أيضاً نترات البوتاسيوم لصنع البارود. وخلال فترة حكمها التي ناهزت 45 عاماً، تعززت العلاقات بين الجانبين، البريطاني والعثماني، وتم تبادل الوفود في زيارات رسمية لإبرام الاتفاقات وتبادل الخبرات، وسافر مئات المسلمين إلى مدن إنجلترا وحواضرها الناهضة، حيث دوّن الكتّاب الإنجليز عن ملابسهم وعاداتهم «غير المألوفة» لدى سكان البلاد الأوروبية. وفي ذلك الوقت أيضاً، لم تكن إنجلترا قد أصبحت قوة عالمية ذات إمكانيات عسكرية واقتصادية كبيرة بعد، ولم يكن يُعرف عن الإسلام والمسلمين سوى النَّزر القليل مما كتبه رجال الكنيسة حول «الديانة المحمدية»، على الرغم من أن الإمبراطورية العثمانية كانت أقوى من إنجلترا بكثير، لا سيما في الجوانب الاقتصادية والعسكرية. وفي إنجلترا، كان المسلمون يُعرفون باسم «الساراسينز»، وهو مصطلح لا يخلو من حمولة عنصرية تُحيل إلى العرب أو «الصليبيين أصحاب السحنات الداكنة». والحال أن العالم الإسلامي في عام 1578، مثلما يؤكد بروتون في هذا الكتاب، كان أكثر عالمية وكوزموبوليتانية من إنجلترا أو أي قوة أوروبية أخرى. وفي تعليقه على أول زيارة لجندي إنجليزي إلى المغرب، خلال تلك الفترة، كتب بروتون يقول إنه نظراً إلى قدوم ذلك الجندي من «العالم أحادي اللغة لإنجلترا وأيرلندا وانقساماته الدينية الكبيرة بين البروتستانت والكاثوليك، فلا بد أن العالم متعدد اللغات ومتعدد الديانات إلى مراكش، شكّل صدمة كبيرة له»، فالمغرب بـ«أمازيغه وعربه ويهوده السفارديم وأفارقته وموريسكييه ومسيحييه»، عالم غير معهود بالنسبة إلى هذا الجندي القادم من إنجلترا، إضافة إلى اللغات الكثيرة التي يتحدث بها الناس في شوارع البلد العربي المسلم. ولئن كانت كتب التاريخ حول إنجلترا في القرن السادس عشر، تشدد عموماً على النزعة الانعزالية للبلاد، فإن بروتون يسوق حججاً وأمثلة تفيد بالعكس: ذلك أن إنجلترا سعت جاهدةً لنسج علاقات وثيقة مع القوى الإسلامية في ذلك العهد. وهنا يتحدث المؤلف عن إنجلترا وهي تكافح كي تجد لنفسها مكانة في عالم لم تتعلم بعد كيف تهيمن عليه، محاججاً بأن علاقة ملكة إنجلترا في حينه، إليزابيث الأولى، مع العالم الإسلامي، كانت أكثر وُدّاً وأكثر شمولية مما يُعتقد في كثير من الأوساط الغربية حالياً. محمد وقيف الكتاب: السلطان والملكة المؤلف: جيري بروتون الناشر: فايكينج تاريخ النشر: 2016