أصدق كثيراً أن الدول مثل البشر، فالعلاقات بين الدول قد تكون أحياناً كالعلاقات بين الأفراد وكأن سياسات الدول مع بعضها بعضاً تشبه أشكال التضامن والتعاون، أو الخلاف والاختلاف على مستوى العلاقة الفردية، فإذا كانت هناك مصالح مشتركة كانت هناك تفاهمات واتفاقات، وإن تغيرت رياح المصلحة وتحولت إلى حروب كامنة أو معلنة، وصار الحال جفوة وتبادل اتهامات كالعلاقة بين الزوجة وطليقها كل يشكو من الآخر ويدعي سوء نواياه، ويستدعي الأطراف الأخرى لحل الإشكال وكأنه معضلة عظمى، مع أنه قد لا يتجاوز كونه خلافات صغرى! وقد تنشغل المحاكم عادة بمثل هذه القضايا المتداخلة المتشابكة والمعقدة تماماً كأروقة الأمم المتحدة، وأزماتها فكلها دوران في حلقات مفرغة، واختلافات، وخلافات حول المصالح، ومع الوقت يراهن كل طرف على خسارة الطرف الآخر، فإما أن يستسلم الخصم أو تنتهي ذخيرته فيضطر إلى الجلوس للتفاوض! وهذا المقياس ينطبق، ويكاد ينحصر في حالات بعض الدول العربية، لأنها الوحيدة التي تلعب دوماً أدواراً متبادلة كتلك الخلافات بين المطلقة وزوجها، فكل هذه الرداءة في العلاقات بين الدول العربية لا تكاد تجدها إلا ضمن هذه الدائرة من الكرة الأرضية، فلقد تجاوزت دول العالم الاختلافات التي قد تتحول إلى مناحة واستجلاب الاستعطاف والتنكيل بالطرف الآخر، وصارت أدوار التميز والتفرد في هذا المجال لنا فيها الصدارة. فرغم كل هذه القفزات التي حققها العالم في مجالات الحياة المختلفة إلا أن السير في المكان ذاته هو سمة غالبة على الأمة المنكوبة والتصديق للأكاذيب والهلاوس والشعوذة حالة مستعصية تحتاج إلى بحث وتقصٍّ عن سبب تفشيها رغم كل هذا الزمن. فهل يعقل أن تتحول مناحات البرامج التلفزيونية إلى أماكن لتبادل الاتهامات والألفاظ البذيئة؟ هل يصدق أحد أن حجم العلاقات الدولية صار أقل من طلاق بائن لا رجعة فيه؟! هذا التدني في مستوى الخلاف تحول إلى سمة عامة في الاختلاف، ففي السياسة ليس هناك صديق دائم ولا عدو دائم، هناك أدوار وأهداف وخطط قد تتغير وقت شروق الشمس وغروبها كل يوم. وهذه الأبجدية في علم السياسة لم تصل بعد لبعض أصحاب المواقف المتضادة والمتناقضة دوماً، فيسارعون لشحذ السكاكين دون أن يدركوا أن المختلف اليوم قد يكون شريك الغد شاءوا أم أبوا. عندما نصل إلى فهم حقيقي لمعنى علاقة دولية، ربما لن تحتاج وقتها الى تجيّش المتحدثين والمنافقين عن الانخراط في سجالات عقيمة، ولا طائل من ورائها. وإذا كنا إلى اليوم لم نفهم أبجديات بسيطة في العلاقات أياً كان مستواها فمتى يأتي ذلك اليوم الذي ندعي فيه وبكل فخر أن الاختلاف لا يعني بالضرورة الإساءة، وأن تضارب المصلحة لا يعني عداءات أبدية؟ وفي نهاية المطاف أن هناك أبعاداً مشتركة لا ينبغي أن نغفل عنها في وقت تكاد فيه أية سجالات جانبية تكون عائقاً لكل من يروم مسارعة الخطوات المتقدمة إلى الأمام.