عندما عقد وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية في العالم اجتماعهم السنوي في واشنطن الأسبوع الماضي، طغى على الاجتماع تشاؤم واضح، حيث تسبب شبح الركود المستمر والنمو الاقتصادي غير الكافي، من جهة، وصعود الشعبوية والتفكك العالمي، من جهة أخرى، في إثارة مخاوف واسعة. وخلافاً لسنة 2008 (حينما كان مصدر القلق هو أزمة ما بعد انهيار «ليمان براذرز») أو 2011 و2012 (عندما كانت إمكانية انهيار نظام اليورو تشغل الأذهان)، فإنه لم تكن ثمة أي أزمة وشيكة تلوح في الأفق هذه المرة، ولكن القلق السائد كان من كون الأفكار التقليدية والزعماء التقليديين أخذوا يفقدون السيطرة تدريجياً، وأن الاقتصاد العالمي أخذ يدخل منطقة مجهولة وغير مكتشَفة. فتوقعات صندوق النقد الدولي للنمو التي أُفرج عنها قبيل الاجتماع جرى خفضها من جديد. وإذا كان الركود لا يهدّد منطقة بعينها، فإن النمو متوقَّع بمعدلات تبعث أيضاً على القلق. ولعل الأدهى هو الإدراك المتزايد بأنه لم يتبق لدى البنوك المركزية سوى القليل من «الوقود» في خزائنها. وإذا كانت فترات الركود تأتي بشكل متقطع وعلى نحو غير متوقع، فإن احتواءها يتطلب عادة خفضاً للمعدلات بخمس نقاط مئوية. والحال أنه لا بلد في العالم الصناعي تتمتع فيه البنوك المركزية بمثل هذا الهامش الواسع للتحرك، على أن توقعات السوق تشير إلى أنه من المستبعد أن تكتسب هامشاً كبيراً قبل عدة سنوات. واليوم، وبعد سبع سنوات من التفاؤل المفرط المستمر بشأن الآفاق الاقتصادية، ثمة إدراك متزايد بأن تحديات النمو لا تتعلق بالتأثيرات المتبقية من الأزمة ذاتها بقدر ما تتعلق بالتغيرات البنيوية في الاقتصاد العالمي التي ساهمت في الأزمة والمشاكل التي تلتها، كما أن ثمة أسباباً متزايدة للتشكيك في أن العالم الصناعي يستطيع التمتع بمعدلات فائدة تدعم الموفِّرين، وباستقرار مالي، وبنمو كافٍ بشكل متزامن. ذلك أن التوفير أضحى كبيراً جداً، والاستثمارات الجديدة غير كافية، والركود صار دائماً بدلاً من أن يكون عابراً. وليس مفاجئاً أنه عندما يغيب النمو الاقتصادي سنة بعد أخرى، وعندما يكون المستفيدون منه هم مجموعة صغيرة من السكان، فإن الغضب يستولي على الناخبين. فإذا نظرنا إلى صدمات 1968 السياسية، مثلاً، عندما خرج الناس إلى الشوارع للاحتجاج في عدة بلدان، يتضح لنا أن شيئاً ما كان يجري عدا المواضيع المعروفة مثل فيتنام في الولايات المتحدة. وبالمثل -وبالنظر إلى الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، وصعود دونالد ترامب وبيرني ساندرز، وقوة القوميين اليمينيين في أوروبا، وقوة فلاديمير بوتين في روسيا– يصبح من الصعب تجاهل استنتاج مفاده أن العالم يشهد نهضة للسلطوية الشعبوية. وهذه التطورات تغذي وتقوي بعضها بعضاً. ذلك أن تضعضع الاقتصاد يساهم في حياة سياسية يطبعها الغضب، وهو ما يولّد حالة من عدم اليقين، تؤدي إلى اقتصاد أكثر ضعفاً، الأمر الذي يفضي أيضاً إلى بدء الدورة من جديد، فالجماهير في بلدان عدة من العالم فقدت الثقة في كفاءة الزعماء الاقتصاديين وفي التزامهم بخدمة المصالح الوطنية الواسعة، بدلاً من مصالح نخبة عالمية. والحال أن تجاهل شعور الجمهور لا يمكن أن يستمر طويلًا. كما أن القومية الاقتصادية بشكلها القوي ليست استراتيجية اقتصادية قابلة للاستمرار، مثلما تبرهن على ذلك 60 سنة من دورات السياسة الشعبوية في أميركا اللاتينية. وفي المقابل، فإن التحدي بالنسبة للمجتمع الدولي وزعماء الدول يكمن في إيجاد طريق يتم فيه دعم التعاون الدولي وتعزيزه، كتعاون يركز على أولويات الطبقة المتوسطة وليس على المسائل التي تهم المنظّرين الأخلاقيين والنخب العالمية. وهذا يعني، عملياً، رفض اقتصاد التقشف لصالح اقتصاد الاستثمار. ففي وقت تقول فيه الأسواق إن المشكلة خلال الجيل المقبل تكمن في تضخم غير كافٍ، وليس في تضخم مفرط، يتعين على محافظي البنوك المركزية العمل على تحفيز الطلب باعتباره هدفاً رئيسياً، والتعاون مع الحكومات. كما ينبغي أن يصبح تحسين استثمارات البنية التحتية في القطاعين العام والخاص أولويةً فورية أيضاً بالنسبة للسياسة المالية. وداخلياً، هذا يعني إدراك أن هذا التوجه ذو فوائد تتعلق بالميزانية بشكل خاص، حيث يتوسع الاقتصاد وتتقلَّص التزامات الصيانة المؤجلة وكذلك تكلفة الميزانية. أما عالمياً، فيعني إدراك أن من شأن وسائل معزَّزة لتمويل البنية التحتية أن تتيح إمكانية زيادة الطلب على الاستثمار وتحسين عائدات الموفّرين من الطبقة المتوسطة. وعلاوة على ذلك، ينبغي أن ينتقل التركيز على التعاون الاقتصادي الدولي، بشكل عام، من فرصٍ لرأس المال إلى نتائج أفضل للعمال، غير أن تحقيق هذا الهدف يقتضي تعزيز التعاون بشكل جوهري من أجل معالجة ما قد يعتبره البعض الجانبَ المظلم من حركة رأس المال -غسيل الأموال، والتملص من الضرائب. وهذه بعض الأفكار المقترحة، ولكن الفكرة العامة ينبغي أن تكون واضحة: لا شيء سيكون أهم لنجاح الرئيس الأميركي المقبل من استعادة الثقة في الاقتصاد العالمي. لورانس سمرز محلل اقتصادي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبرج نيوز سيرفس»