لاحظت أن إعلامنا وأحاديث صالوناتنا بدأت تركز على ما هو أبعد من البيت الأبيض، أو وزارة الخارجية، أو البنتاجون، مع صدور قانون جاستا -أو قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب. وإذا كانت لهذا القانون أية فائدة تذكر بالنسبة لمنطقتنا، فهي أن يدفعنا في اتجاه طال انتظاره: أن نعرف أن السياسات الخارجية أو العليا في الدول الديموقراطية ما هي إلا نتاج outcome، تعكس المجتمع وتشكيلاته. بمعنى مباشر وأوضح يجب أن نتعرف على المجتمع الأميركي أكثر وأكثر لنفهم السياسة الأميركية وتقلباتها، ويتم الاستعداد لها. والاستثمار في هذا المجهود هنا مطلوب، لأن أميركا -أردنا أم لا- لا تزال هي القطب العالمي، تقريباً في كل القطاعات: اقتصادية، سياسية، ثقافية وبالطبع عسكرية.. مثلاً ميزانية البنتاجون أكثر من الدول التسع التي تلي أميركا مجتمعة، بما في ذلك قوى عالمية مثل روسيا والصين. الولايات المتحدة إذن ليست دولة فقيرة أو متوسطة أو حتى الصين أو الاتحاد الأوروبي. الاستثمار في فهم مجتمعها -أي أساس ما نراه بعد ذلك على السطح في المُخرج السياسي- مطلوب وضروري، كأساس لفهم النظام العالمي نفسه الذي تهيمن عليه أميركا. حتى دون التعرض للمملكة العربية السعودية -التي لم تذكر بالاسم في القانون- فالقانون من جانب الكونجرس يعكس فائض القوة وغرور المشرع الأميركي الذي لم يأبه بفيتو الرئيس، الذي من المؤكد يعرف تعقيدات السياسة الدولية أكثر بكثير من أعضاء الكونجرس، بما فيهم أعضاء لجنة الشؤون الخارجية. أصدر أوباما في 23 سبتمبر الفيتو، ولكن كلاً من مجلس الشيوخ ومجلس النواب أعادا التصديق على قراراتهما بأغلبية ساحقة، ونفس اليوم معاً: 28 سبتمبر. بل إن القانون وصل حيز التطبيق، حيث تقدمت ستيفاني دي سيموني بادعاء قضائي ضد السعودية في إحدى محاكم واشنطن العاصمة! ويقال إن هناك حوالي 900 شكوى قضائية تنتظر على الخط. قد يكون جاستا فعلاً قانوناً عنترياً، ضيق الأفق وابتزازياً، وقد يصبح رصاصة طائشة ترتد في النهاية إلى صدر أميركا نفسها وينقلب السحر على الساحر. فهناك عدة دول ومجتمعات تستطيع الآن أن تحاول أن تدفع الولايات المتحدة بعض المصائب التي نتجت عن تدخلها المتكرر، سواء في أفغانستان، أو العراق، أو غيرهما. وهكذا يكون عمل الكونجرس من أجل تورط «السيادة الوطنية» في عمل رعاياها حتى دون أن يمثلوها أو يتشاوروا معها ليس فقط تهديداً لأحد المبادئ الأساسية في الممارسات الدولية «حماية السيادة الوطنية وعدم استدعائها في المحاكم دون داعٍ»، ولكن توريطاً لأميركا نفسها على المستوى الدولي، خاصة أنها من أكثر الدول من حيث التدخل الرسمي والعسكري. ولذلك بدأ بعض أعضاء الكونجرس في إعادة النظر -حوالي 28 منهم والعدد في ازدياد. ولكنْ تساؤلنا هو أيضاً وحقيقة عن الدولة المستهدفة -صراحة وعلناً- من مثل هذا القانون: المملكة العربية السعودية، فهي ليست دولة حديثة الاستقلال، مثل عشرات دول أفريقيا جنوب الصحراء، وليست قوة ضعيفة، بل هي دولة مهمة ومركز بترولي ومالي عالمي. بل يُقال إن للسعودية أطرافاً صديقة وحتى لوبيات في أميركا نفسها ومسجلة رسمياً كما تُشير بيانات وحدة قانون تسجيل العملاء الأجانب بوزارة العدل الأميركية: شركات كبيرة من تصدير السلاح إلى بضائع أخرى، عدد كبير من الدبلوماسيين الأميركيين السابقين الذين نراهم عادة في حفلات استقبال السفارات الخليجية في واشنطن أو في المؤتمرات في العواصم الخليجية -كما أن السعودية تموِّل عدة مشاريع بحثية في عدد من مراكز الأبحاث، كما ظهرت منذ شهور لجنة شؤون العلاقات العامة السعودية- الأميركية «سابراك»، كما عرفنا من مراسل جريدة «الشروق» في واشنطن. السؤال المهم إذن هو: لماذا فُوجئت السعودية بقرار الكونجرس ولم تتمكن مواجهة التحدي قبل صدور القرار؟ هل نعرف فعلاً ما يكفي عن تخطيط السياسة الأميركية؟