تعتبر منطقة الشرق الأوسط منطقة ارتباط دائمة للولايات المتحدة، حيث توجد مصالح أميركية محل خطر إضافة إلى الحاجة إلى القوة الأميركية لحفظ الأمن والاستقرار. وبالنظر إلى المصالح كما حددتها مراكز دراسات خاصة مرتبطة برسم الأهداف والسياسات الأميركية، نرى أنها تنحصر في الفترة من 2000 حتى 2025 على النحو التالي: بقاء إسرائيل وإتمام عملية السلام في الشرق الأوسط، والنفاذ إلى النفط، والحيلولة دون بروز مهيمن إقليمي عدواني، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، وتشجيع الإصلاح السياسي والاقتصادي بوساطة الاستقرار الداخلي، والسيطرة على الإرهاب. نأخذ من تلك الأهداف منع بروز مهيمن إقليمي عدواني لمناقشتهِ دون غيرهِ بسبب أهمية هذا المطلب الأميركي الذي يعكس تناقضاً على الأحداث الجارية في منطقة الشرق الأوسط. فمن منظور التخطيط الاستراتيجي الأميركي، فإن دائرة هذا الهدف تشمل منع ظهور منافسين قادرين على النجاح في تحدي القوة العسكرية والمصالح الأميركية، وهؤلاء المنافسون يمكن أن يأتوا من داخل المنطقة أو من خارجها. يبدو أن الحيلولة دون بروز مهيمن إقليمي معادٍ لواشنطن في الشرق الأوسط قد فشلت إلى حد ما، فقد استطاعت موسكو مع المحور الإيراني الإقليمي من حكومة بغداد ونظام بشار والميليشيات الشيعية المتعددة مع «الحوثيين» أن تؤكد حضور قوة إيران في المنطقة وصعود موسكو إلى مكانة عالمية من خلال أزمة القرم والدخول العسكري والسياسي في الثورة السورية ودعم إيران كلاعب إقليمي يقوض الهيمنة الأميركية في الخليج. هذا الوضع الإقليمي هو جزء من المستوى الدولي، فإيران ليست منافساً أو نداً للولايات المتحدة في الخليج والشرق الأوسط، بل منافس كامن، والمنافس الكامن يتعلق بدولة أو تحالف دول قوية عسكرياً وسياسياً بما يكفي للسيطرة على ميزان القوة في منطقة إقليمية تُأثر على مصالح الولايات المتحدة سلباً. فواشنطن لم تستطع منع صعود قوة روسيا بقيادة بوتن، ولم تخضع إيران، بل حتى لم تحافظ على علاقاتها الإقليمية القوية مع حلفائها التقليديين: المملكة العربية السعودية وتركيا، فقد توترت العلاقة الأميركية- السعودية بسبب «الربيع العربي» ودعم واشنطن لـ«لإخوان المسلمين»، ومحاولة السياسة الأميركية تجزئة منطقة الشرق الأوسط كنتيجة لواقعها وما به من تعدد في القوميات والأديان والمذاهب وهشاشة وضعف شرعية الأنظمة السياسية، إلى جانب كل ذلك، أتى الاتفاق النووي الإيراني مع مجموعة 5+1 ليفك الأغلال عن القوة الاقتصادية والعسكرية الإيرانية، ويُخرج طهران من محور الشر والتوجس من صراعها مع واشنطن، والآن هناك جدل دولي حول قانون «جاستا» الذي يسمح لعائلات ضحايا 11 سبتمبر بمقاضاة السعودية بذريعة صلتها بتلك الهجمات، وهذا الأمر له تداعياته على مبدأ سيادة الدول، حتى إنه ينقلب على الولايات المتحدة، والذي يجعل شعوباً عديدة من العالم تقاضيها على تدخلها وانتهاكاتها المتعددة. هناك تصور آخر يرى أن واشنطن حققت هدفها في منع بروز فاعل إقليمي يُقوّض المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، وهو تصور قد طرحه «تريتا بارسي»، أستاذ العلاقات الدولية، الذي له دور في التقارب الإيراني الأميركي، بأن هناك تحالفاً أميركياً فارسياً إسرائيلياً، وأن العلاقة بين المثلث «الإسرائيلي- الإيراني- الأميركي»، تقوم على المصالح والتنافس الإقليمي و«الجيو-استراتيجي» وليس على الأيديولوجيا والخطابات والشعارات التعبوية الحماسية، ويستند في هذا الطرح إلى وجود مصالح مشتركة بينهم في المنطقة على حساب الدول العربية، وأيضاً أن هناك أصلاً اتصالات بينهم قوية. هذا الطرح يقود إلى ما يعتقدهُ البعض أن واشنطن ستعتمد على طهران في أمن الخليج، وعلى مشاركتها مع دول إقليمية في حفظ الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وهذا الافتراض في حد ذاتهِ لا يمنع إيران من تحقيق مصالحها الخاصة على حساب الدول الأخرى في الخليج أو الشرق الأوسط. عند التسليم بصحة هذا الافتراض، فإيران لا تستطيع لعب هذا الدور بسبب طبيعة نظامها السياسي الثيوقراطي، فالقوة المذهبية الدينية عبر المرشد الأعلى والحرس الثوري والميليشيات الشيعية وتعبئة الجماهير الشيعية في إيران وغيرها من دول منطقة الشرق الأوسط، ستكون عائقاً كبيراً في تحقيق الأهداف البراجماتية، التي لا تتصل بأهداف دينية شيعية، والذي بدورهِ يؤكد عدم تحقيق الهدف الأميركي في منع بروز فاعل إقليمي عدواني. نخلص من مناقشة محور منع بروز مهيمن إقليمي ضد مصالح واشنطن في الشرق الأوسط، من أن الولايات المتحدة الأميركية التي كان لها دور كبير في حفظ أمن الخليج والشرق الأوسط «من خلال الحفاظ على أمن وعبور الطاقة، إلى الحفاظ على سيادة واستقلال الدول كتحرير الكويت، وخلق ماراثون السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتقييد الدول المتمردة المزعزعة للأمن كالعراق وإيران وليبيا، ومحاولة نشر الديمقراطية»، أصبحت في وقتنا المعاصر مسؤولة عن عدم استقرار منطقة الشرق الأوسط بسبب دعم الجماعات الدينية السياسية من «الإخوان» إلى الميليشيات المتطرفة، مع التعاطي مع القوميات والطوائف في داخل الدول، وعدم اتفاقها مع الدول الكبرى «روسيا والصين» على تحقيق الأمن في المنطقة، وتناقضاتها وترددها في الثورة السورية، وخسارة قوة علاقتها مع حلفائها الإقليميين وهو ما يدفعهم إلى تقوية وتحسين علاقتهم مع روسيا والصين، ورغم كل ذلك، تعتبر الولايات المتحدة الأميركية دولة عظمى لا تستطيع دول منطقة الشرق الأوسط والخليج الاستغناء عنها أبداً، فهي قوة عظمى عسكرياً واقتصادياً وصناعياً ومعرفياً وزراعياً، وهي أيضاً لها دور في أمن أجزاء عديدة في العالم كأمن اليابان وكوريا الجنوبية، ولكن هذا لا يمنع من أن على دول الشرق الأوسط والخليج أن تعتمد على خلق شبه توازن في علاقاتها مع الدول العظمى والكبرى لتحقيق مصالحها وأمنها، مع السعي على تقويم سياسات واشنطن في المنطقة لتحقيق قدر مقبول من الأمن والاستقرار. ـ ـ ـ ـ ـ ــ ـ حميد المنصوري* *كاتب ومحلل سياسي