أظهرت البيانات والإحصائيات التي أطلقتها منظمة الصحة العالمية بداية الأسبوع الماضي، أن عدد من تم علاجهم من مرض واحد على الأقل من ضمن ما يعرف بالأمراض الاستوائية المنسية أو المهملة، قد بلغ قرابة المليار شخص -979 مليوناً- عام 2015، وهو ما يعتبر رقماً قياسياً بجميع المعايير. وهذا الإنجاز غير المسبوق ربما يكون المرة الأولى التي يتم فيها علاج هذا العدد الهائل من أفراد الجنس البشري خلال سنة واحدة، ضمن تدخل دولي على صعيد الصحة العامة. ويشير مصطلح الأمراض الاستوائية المهملة (Neglected Tropical Diseases)، إلى مجموعة متنوعة ومتباينة من الأمراض الاستوائية المعدية، والتي تنتشر بشكل خاص بين الشعوب والمجتمعات الفقيرة في المناطق النامية من أفريقيا، وآسيا، والأميركتين. ويتسبب في هذه الأمراض عدد من الكائنات الحية والجراثيم المعدية، مثل الفيروسات، والبكتيريا، والطفيليات، والديدان. وتبلغ فداحة الثمن الإنساني لهذه الأمراض، وما تتسبب فيه من عبء صحي واقتصادي، درجة أنها تقارَن بالعبء المرَضي الذي تتسبب فيه أمراض خطيرة أخرى كالملاريا والسل. وتتوفر حالياً أدوية وعقاقير -خصوصاً في الدول الصناعية الغنية- يمكنها أن تحقق الوقاية من بعض هذه الأمراض، أو علاجها في حالة الإصابة بها، إلا أنها لا تتوفر في الدول النامية، خصوصاً في المناطق الفقيرة من هذه الدول، هذا رغم أن أسعار الكثير من هذه الأدوية والعقاقير يعتبر زهيداً نسبياً. فعلى سبيل المثال، يتكلف علاج الطفل الواحد من البلهارسيا 20 سنتاً أميركياً فقط (70 فلساً). ولكن في ظل الانتشار الواسع لأنواع مجموعة الأمراض المهملة يقدر أن جهود مكافحتها والسيطرة عليها ستتطلب ما بين 2 و3 مليارات دولار خلال الأعوام الخمسة أو السبعة القادمة. جدير بالذكر أنه في الوقت الذي تتلقى فيه شركات الأدوية العملاقة ومتعددة الجنسيات الكثير من التغطية الإعلامية والنظرة العامة السلبية، نجد أن جزءاً كبيراً مما تم تحقيقه على صعيد الجهود الدولية في مكافحة الأمراض المهملة تم بعون ومساعدة هذه الشركات، والتي تبرعت بنحو 1,5 مليار قرص دوائي خلال عام 2015، تم شحنها إلى الدول التي طلبتها، عبر منظمة الصحة العالمية، في مقابل أن تُبلغ هذه الدول المنظمة الدولية سنوياً عن مدى التطور والتقدم في جهودها الرامية إلى التحكم والقضاء على الأمراض المستهدفة، منذ بدء تطبيق البرنامج المعروف «حزمة المراجعة المشتركة» (Joint Application Package) في 2012. ويعود إطلاق صفة المنسية أو المهملة على هذه الأمراض إلى قلة ما تتلقاه من اهتمام إعلامي وعام، وضعف ما يخصَّص لها من ميزانيات للبحوث والعلاج، مقارنةً بالأمراض الثلاثة الكبير: الإيدز، والسل، والملاريا. ويمثل 17 مرضاً من هذه الأمراض أولوية لدى المنظمات الدولية، وتكتسي بأهمية خاصة، كونها منتشرة في 149 دولة حول العالم، وتصيب 1,4 مليار شخص، 500 مليون منهم من الأطفال، ليكلفوا اقتصادات الدول النامية مليارات من الدولارات، وأكثر من 200 ألف وفاة سنوياً -بداية عقد التسعينيات- وهي الوفيات التي انخفضت حالياً إلى 142 ألفاً فقط. وربما يكون من أوضح الأمثلة على الأمراض الاستوائية المهملة مجموعة الأمراض الناتجة عن العدوى بالديدان الطفيلية، التي تعتبر من أكبر مشاكل الصحة العامة من المنظور الدولي. وحجم هذه المشكلة يتضح من التقديرات التي تشير إلى إصابة ملياريْ شخص بعدوى بأحد أنواع هذه الديدان -وهي كثيرة- وهو ما يزيد على ربع سكان العالم حالياً، أو واحد من كل أربعة من أفراد الجنس البشري. ويعيش حالياً في المناطق المستوطنة فيها هذه الديدان أكثر من 600 مليون طفل في سن الدراسة، و270 مليون طفل آخرين في عمر أقل من سن الدراسة، مما يتطلب برامج علاجية ووقائية واسعة المدى وباهظة التكاليف. وبخلاف المضاعفات الخاصة والمحددة المرتبطة بكل نوع من أنواع هذه الديدان تتنوع وتتباين المضاعفات والتبعات الصحية العامة الناتجة عن العدوى بالديدان الطفيلية، لتشمل: الأنيميا أو فقر الدم، وسوء التغذية، والتأثير السلبي على الحمل مثل الإجهاض، والولادة المبكرة، وولادة أطفال ناقصي الوزن، وتأخر وتراجع القدرات الذهنية والعقلية للأطفال المصابين بالعدوى، ولاحقاً تراجع أدائهم الدراسي وتحصيلهم الأكاديمي، وانخفاض الإنتاجية خلال سنوات العمل، وتدهور مستوى المصابين اجتماعياً واقتصادياً، وهي مضاعفات تصب جميعها نحو تدهور الإنتاجية الاقتصادية، وتراجع الناتج القومي الإجمالي، وانخفاض متوسط دخل الفرد، ومن ثم الهبوط في هاوية الفقر.