من الأسباب الرئيسة لتقدم الغرب وتفوقه يعود إلى تقدمه العلمي والحضاري واستقرار أنظمته الديمقراطية في ظل أنظمة حكم علمانية لا يتم فيها زج الدين بالسياسة. عندما داهم الإرهاب الدولي دول العالم ومنها الدول العربية والغربية، كانت معالجتنا للإرهاب مركزة على الجانب الأمني، حيث تمت ملاحقة الإرهابيين، وتفكيك خلاياهم، ومداهمة أوكارهم، والبحث عن مصادر تمويلهم.. لكننا أهملنا الجانب الثقافي الذي مهد لبروز الإرهاب. أما ردود الفعل الغربية، خاصة بعد مقتل بعض مواطنيهم في الوطن العربي وبعد انتقال الإرهاب للعواصم الغربية، فقد جاءت قوية ومنظمة وتعتمد على الأسلوب العلمي في جميع المعلومات وتحليلها وخلق حوار حولها، فقد أنشأت بعض الدول الغربية عدة مراكز علمية متخصصة بالإرهاب والإرهابيين وبعدها تم جمع المعلومات الاستخبارية ورصد كل المكالمات التليفونية، أو التخاطب عن طريق الإنترنت، ووسائل الاتصال الجماهيري، وقد ركزوا مؤخراً على المنابع الفكرية والمادية للإرهابيين، والأهم من كل ذلك عمل مسح علمي لمعرفة المستوى الثقافي والعلمي والمادي الطبقي للإرهابيين الأجانب العاملين مع الدولة الإسلامية. وقد نشر البنك الدولي بواشنطن حصيلة دراسة علمية جديدة تبين بأن المستوى التعليمي لعناصر تنظيم «داعش» أعلى من المتوقع، وقد حصلوا على المعلومات من مداهمة مراكز «داعش» والاستيلاء على بعض الوثائق الخاصة بالإرهابيين الأجانب. وذكر معد الدراسة وعنوانها «العدالة الاجتماعية والاقتصادية لمنع التطرف العنيف»، أن تنظيم «داعش» لم يأت من الفقراء والأقل تعليماً، بل العكس هو الصحيح، حيث بيَّنت الدراسة بأن غالبية المنضمين إلى «داعش» خلال الفترة من 2013 - 2014 يؤكدون أن مستواهم التعليمي هو المرحلة الثانوية، والكثير منهم لديه الشهادة الجامعية، وأن معدل عمر المتطوعين في صفوف التنظيم 27 عاماً، بينما نسبة الأمية بينهم 1.3% فقط، والمفاجئة التي أوضحتها الدراسة أن الأجانب الذين انضموا ل «داعش» والآتين من أفريقيا وجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط هم أكثر تعليماً من رفاقهم، والأغلبية منهم تؤكد أنه كان لديهم عمل قبل الانضمام إلى التنظيم، وعند الاستفسار منهم عن سبب انضمامهم إلى «داعش» كانت إجابتهم متفاوتة، البعض أكد بأنهم يريدون مساعدة التنظيم إدارياً، بينما البعض الآخر انضم إلى «داعش» لرغبته بالموت، بينما انضم آخرون لرغبتهم بالقتال.. هذه المعلومات القيمة تدحض كل الافتراضات والادعاءات بأن المنضمين ل «داعش» أميون وفقراء وعاطلون عن العمل، لكن واقع الحال عكس ذلك تماماً، فهم ميسورو الحال ومتعلمون وانضمامهم قد يعود للبحث عن مغامرة أو أن لديهم أمراض نفسية غير معلنة. ماذا نستفيد من تجربة الغرب في محاربة الإرهاب في الخليج؟ نحن بحاجة ماسة لمراكز متخصصة لدراسة كل أبعاد الإرهاب، حتى يتسنى إجراء بحث ميداني ومسح اجتماعي ونفسي للإرهابيين الذين يتم القبض عليهم.. المطلوب معرفة خلفيتهم العائلية والعلمية، وأين درسوا، وأي المساجد يترددون عليها، ومن هم مشايخ الدين الذين أثروا عليهم.. بعض الأجهزة الأمنية تستقي معظم معلوماتها عن الأجهزة الغربية (الاستخبارات).. علينا أن نعتمد على أنفسنا بدراسة منابع الفكر للإرهابيين والبيئة الحاضنة لهم. *أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت.