كثيراً ما نبرر لأنفسنا التقاعس عن الاضطلاع بواجبنا لوضع حدّ للممارسات الوحشية واسعة النطاق، بأننا لم نتمكن من التوصل إلى تقدير صحيح لحجم الرعب المنتظر إلا بعد فوات الأوان. وقد أصبحت عبارة «لو كنّا نعرف»، تشكل «اللازمة» التي نتمسك بها في هذا التبرير، إلى جانب عبارة «لن نسمح بذلك بعد الآن»! أما في سوريا، فقد سقطت عنّا هذه الحجّة تماماً بعد أن انفتحت أمام أعيننا نافذة واسعة لرؤية فظائع الحرب التي ترتكب كل يوم. ولو كنتَ من أصحاب الحسابات على موقع «تويتر»، فلا تنسَ متابعة ما تنشره طفلة من حلب عمرها 7 سنوات تدعى «بَنا العابد»، وهي التي تمكنت بمساعدة والدتها من فضح أخبار المذبحة الكبرى التي تدور حولها عبر سلسلة متتابعة من «التغريدات». وتضمنت إحدى تغريداتها شريط فيديو مصوراً تبدو فيه «بَنا» وهي تطل من نافذة وتصغي بعناية حتى تتابع مواقع سقوط القنابل. ورافقت الشريط كلمات نطقت بها بإنجليزية غير متقنة لتحذّر من يتابعها قائلة: «أنا أرتعد خوفاً، سأموت هذه الليلة، وهذه القنابل ستقتلني الآن». وقالت «بَنا» في تغريدة أخرى مرفقة بصورة ثابتة: «هذا هو بيت صديقتي بعد أن دمرته القنابل. لقد ماتت، وأنا أفتقدها كثيراً». وكانت أمها فاطمة معلمة اللغة الإنجليزية قد ساعدت ابنتها على تعلمها وشاركتها «التغريد» على موقع «تويتر». وقالت فاطمة في إحدى تغريداتها: «كيف يمكنك أن تنام وأنت تسمع صوت سقوط القنابل؟. سأواصل التغريد غداً لو بقينا أحياء». وقد تمكنت من إجراء لقاء مع فاطمة وابنتها «بَنا» عن طريق البريد الإلكتروني. وكانتا تستخدمان في ذلك هاتفاً محمولاً تقومان بشحنه بواسطة لوحة شمسية. وقد دمرت الغارات مدرسة «بَنا» العام الماضي، وتقول فاطمة إنهما تعيشان على تناول «الباستا» والأرز، إلا أن مخزونهما منهما اقترب من النفاد. وقالت لي الأم: «أصبحت بَنا ضعيفة البنية جداً». ولا تزال طائرات النظام السوري وحلفائه تدك بقنابلها بيوت المدنيين الأبرياء من أمثال «بَنا». والهدف من وراء ذلك واضح ومكشوف ويتلخص في محاصرة الناس وتجويعهم وإنهاكهم حتى يعلنوا استسلامهم وينزحوا عن بيوتهم، أو يعلنوا عن عدم دعمهم للمعارضة والتوقف عن تأييد بقية الفصائل المسلحة. ومن شأن هذا، إن وقع، أن يؤيد مزاعم الحكومة السورية بأن المعارضة لا تمثل أكثر من مجموعة من الإرهابيين الذين لا بد من القضاء عليهم. وأنا أقول لأولئك الذين أفرطوا في التعبير عن إعجابهم بالرئيس أوباما كرجل مبدأ، إنّ مما يستثير فينا الألم والشعور بتأنيب الضمير، متابعة مواقفه التي يغلب عليها طابع العجز التام عن اتخاذ أي إجراء فعال إزاء هذه القضية. ووفقاً لما أراه وأتابعه من أحداث يندى لها الجبين، فأنا أرى أن سوريا أصبحت تمثل أسوأ خطأ ارتكبه أوباما، بل هي وصمة عار حقيقية شوّهت إرثه السياسي برمته. وأنا أقول لهم أيضاً إن البعض منكم يعترفون بحدوث هذه المجازر المروّعة ولكنهم يتساءلون عما يمكن للغرب أن يفعله إزاءها. ولإجابتهم عن هذا السؤال فقد سبق لي أن استشهدت من خلال عمود صحفي بما قاله نائب قائد هيئة الأركان المشتركة جيمس كارترايت حول «الإجراءات المتعددة التي يمكننا تبنيها الآن» في سوريا. وقد نشر «تشارلز ليستير»، وهو مؤلف كتاب جديد عن الحرب في سوريا، تسع صفحات كاملة تشرح خطة محكمة من اقتراحي يمكن للولايات المتحدة أن تتبناها تتضمن تدمير مدرّجات إقلاع وهبوط الطائرات بضربات صاروخية مُحكمة تنطلق من تركيا لكي تمنع طائرات النظام السوري من الإقلاع (وقد أكد لي مسؤولون أتراك أنهم يؤيدون هذه الخطة). ولا شك أننا نتجنب إرسال قوات برية، إلا إننا لو كنا بادرنا إلى تعطيل مدرّجات المطارات العسكرية السورية قبل عدة سنوات، وفقاً لما اقترحه العديد من الخبراء العسكريين، لما رأينا مظاهر الوحشية والرعب الناتجة عن إلقاء البراميل المتفجرة فوق رؤوس الأبرياء، وقد كان من شأن هذا الإجراء أن يخفف من وطأتها على الأقل. والمؤشر الذي يؤكد سهولة وقف الغارات الجوية للنظام يأتي من أننا نجحنا في فعل شيء مماثل من قبل. ففي شهر أغسطس الماضي، فرضت الولايات المتحدة منطقة حظر جوي فوق أجزاء من شمال شرقي سوريا حيث يوجد الخبراء العسكريون الأميركيون. وقد أكد النظام السوري رفضه التام لكل النداءات الإنسانية والأخلاقية والتزامه بتحقيق الحل العسكري بكل ما ينطوي عليه من أخطار. وفي عام 2013، عندما بدا وكأن أوباما على وشك توجيه الأوامر بشن ضربات جوية، سارع النظام إلى الإعلان عن موافقته على نزع أسلحته الكيماوية. وفي ذلك الوقت، طالب وزير الخارجية جون كيري البيت الأبيض بالمزيد من الإجراءات العسكرية لإجبار النظام على القبول بوقف إطلاق النار، إلا أن أوباما تجاهل اقتراحات وزير خارجيته. وسبق لأوباما، عندما كان سيناتوراً، أن كرر على مسامعي ومسامع العديد من المحللين الآخرين أن الرئيس بوش الابن كان سلبياً جداً إزاء الأعمال الوحشية التي تُرتكب في دارفور. هذا ما قاله عام 2006، ويتوجب عليه الآن أن ينصت لنفسه. ---------------- نيكولاس كريستوف* محلل أميركي في السياسات الوطنية والدولية حائز جائزة «بوليتزر» ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»