ما أثارته الصحف المحلية مؤخراً حول قيام خادمة آسيوية تعمل لدى أسرة مواطنة بسكب الماء الساخن عمداً على طفل يبلغ من العمر سنة ونصف السنة، وإصابته بحروق شديدة، وكذلك الحكم على خادمة أخرى بالسجن خمس سنوات لسرقتها مبلغاً مالياً ومصوغات ذهبية من مخدومتها، يسلط الضوء على جرائم الخدم، التي باتت تثير قلق الأسر المواطنة في الآونة الأخيرة، لا لتزايد معدلاتها فقط، وإنما الأخطر لأنها باتت تطول السلامة الشخصية لأبنائنا الصغار. ورغم أن هناك إطاراً قانونياً ينظم استقدام العمالة المنزلية، فإنه يبدو أن هناك عدم التزام من قبل بعض مكاتب استقدام الخدم بالقوانين واللوائح المعمول بها، حيث تدوّن بعض المكاتب معلومات غير موثوق بها حول الخدم بهدف تشغيلهم، وليس أدل على ذلك من أن الخادمة التي قامت بسكب الماء الساخن على الطفل المواطن، قد عملت من قبل لدى أربع عائلات، ونتيجة لعدم صلاحيتها للعمل تم إرجاعها إلى مكتب الاستقدام مرة أخرى، وهذا يكشف بوضوح عن غياب الشفافية من جانب بعض مكاتب استقدام الخدم، التي تخفي في أحيان كثيرة حقائق مهمة وضرورية عن الخادمات اللاتي توفِّرهنَّ للأسر. الجانب الآخر المهم في هذا السياق هو أن بعض جرائم الخدم لا يمكن فصلها عن ظاهرة هروب الخادمات ولجوئهن إلى مكاتب خاصة، تقوم بتوظيفهن لدى بعض الأسر لبعض الوقت، دونما تحمل أي مسؤولية، وهو ما يغري هؤلاء الخادمات بارتكاب بعض الجرائم كالسرقة والاعتداء على الأطفال، وغيرها من الجرائم التي باتت تمثل مصدر إزعاج للكثير من الأسر والعائلات في الآونة الأخيرة. وإذا كان هناك من يجادل بأن الاستعانة بالخدم تشكل ضرورة ملحة بالنظر إلى طبيعة عمل المرأة، فهذا أمر صحيح، لكن يمكن ترشيده، بحيث يقتصر دور الخادمات على الأعمال المنزلية فقط من دون القيام بالأعمال الأخرى التي ترتبط بتربية الأبناء، لأن هذا قد يؤدي إلى تأثيرات سلبية، بالنظر إلى اختلاف منظومة القيم والثقافات والعادات، التي قد تؤدي إلى تنشئة الأبناء على قيم وعادات مغايرة لقيم وعادات المجتمع الأصيلة. إن تزايد الجرائم المرتبطة بالخدم في الآونة الأخيرة، فضلاً عن الآثار السلبية الأخرى الناجمة عن تزايد الاعتماد عليهم بصورة كبيرة لدى كثير من الأسر، باتا يتطلَّبان مراجعة ملف العمالة المنزلية، وسد أي ثغرات فيه يمكن أن تتيح للأفراد والشركات التحايل على القوانين والأنظمة المعمول بها، وفي هذا السياق فإن هناك ضرورة لتطبيق أقصى العقوبات على من يتسترون على الخادمات الهاربات، سواء كانوا أفراداً أو شركات، صحيح أن هناك إجراءات أمنية وقانونية وتشريعية تم اتخاذها في الفترة الأخيرة، فضلاً عن الجهود التي تبذلها الجهات الأمنية من حيث توقيع الغرامات المالية على من يؤوي الخادمات الهاربات، لكن الأمر بحاجة إلى مزيد من الإجراءات الحاسمة، والاهتمام في الوقت ذاته بالجانب التوعوي في مواجهة هذه الظاهرة، وهذه مهمة الإعلام الذي ينبغي أن يقوم بدور فاعل في تثقيف أفراد المجتمع بأهمية خفض الاعتماد على الخادمات، وترشيد استخدام هذه الشريحة من العمالة ليس من أجل تفادي الجرائم المختلفة التي تقوم بارتكابها وضمان سلامة أولادنا فقط، ولكن كذلك من أجل بناء جيل ينبذ روح الاتكالية ويؤمن بضرورة الاعتماد على النفس قدر الإمكان، ويتربى على القيم والعادات الأصيلة للمجتمع، وهو الطموح الذي لا ريب في أن تحقيقه يشكل الأرضية الصلبة التي تبني عليها الدولة مستقبلها الناهض والمزدهر. ـ ـ ـ ـ ـ ـ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.