تعاني الهند منذ وقت طويل من مشكلة تسلل الانفصاليين الكشميريين إلى داخلها عبر المنطقة الجبلية الوعرة التي تحيط بكشمير، وهم الذين يتلقون الدعم من باكستان. وفي إطار ممارسة الضغوط على إسلام آباد، أوقفت نيودلهي محادثات السلام بين البلدين عدة مرات، وكررت تحذيراتها لباكستان من مواصلة مساعدة الشبّان الكشميريين المسلحين على دخول الأراضي الهندية من الجانب الباكستاني لكشمير. وخلال الأسبوع الجاري، تبنّت الهند خطوة تصعيدية إضافية في إطار محاولتها توجيه رسالة تحذيرية أكثر حدّة لباكستان من خلال تنفيذ «ضربات عسكرية جراحية» ضد قواعد انطلاق الانفصاليين داخل الأراضي الباكستانية وبالقرب من الحدود المشتركة بين البلدين، وهي المنطقة التي تدعى «خط المراقبة»، وذلك كإجراء انتقامي من الهجوم الذي تعرضت له قاعدة عسكرية هندية في كشمير قبل بضعة أيام. وأسلوب «الضربات الجراحية» غير مسبوق بين البلدين، ليس فقط لأن وحدات عسكرية هندية خاصة توغلت داخل الأراضي الباكستانية عبر خط المراقبة ولمسافة ثلاثة كيلومترات من أجل وضع حدّ لخطر المقاتلين، بل لأن المهمة بحد ذاتها لم تكن سرّية. واعترفت نيودلهي بأن قواتها عبرت الحدود لتنفيذ الضربات الجراحية التي أدت إلى سقوط عدد كبير من القتلى في صفوف الانفصاليين وأولئك الذين يقدمون المساعدة لهم في ثلاثة قطاعات تقع داخل الأراضي الباكستانية، وجاء الإعلان عن تلك الضربات في أعقاب الغضب الشديد الذي ساد الرأي العام الهندي بسبب مقتل 18 عسكرياً هندياً في هجوم للمقاتلين الكشميريين وأيضاً على خلفية المطالب الشعبية للانتقام من باكستان. وكان رئيس الوزراء الهندي «ناريندرا» مودي قد وصل إلى السلطة بعد تقديم وعود قطعها على ناخبيه من أنه سيتخذ إجراءات شديدة القسوة ضد الإرهاب العابر للحدود، وهي الوعود التي مثلت أهم أسباب انتخابه. والآن، ومع مطالبة أعضاء حزبه ورفاقه السياسيين له بالانتقام، لم يجد أمامه من خيار آخر غير تقديم نفسه على الصورة المخالفة لصورة أسلافه والإثبات للشعب الهندي بأنه سيفي بوعوده. وفي حقيقة الأمر، لم تكن هناك طريقة أخرى أمام «مودي» غير اختبار نوع ما من العمل العسكري. كما أن الضربات الجراحية كانت «لعبة معلّم»، ولم تقتصر هذه الضربات المحدودة ضد قواعد المقاتلين الانفصاليين على توجيه رسالة قوية لباكستان، بل إن الهند فضلت عدم توجيه أي دعوة للمجتمع الدولي لإدانة الهجوم. وواصلت باكستان من جهتها استنكار الضربات الجراحية التي نفذتها القوات الهندية الخاصة داخل أراضيها، وأشارت إلى حدوث تبادل لإطلاق النار بين الجانبين عبر الحدود المشتركة أدى إلى مقتل جنديين باكستانيين. وأما الولايات المتحدة التي حسنت علاقاتها مع الهند بعد وصول «مودي» إلى السلطة، فسارعت إلى مطالبة باكستان ببذل مجهود أكبر ضد الإرهاب، وكررت مستشارة الأمن الوطني سوزان رايس قولها بأنها تتوقع من باكستان أن تتخذ إجراءات حاسمة ضد الإرهابيين المصنفين في الأمم المتحدة والكيانات الإرهابية التي تقيم قواعدها في باكستان بما فيها جماعة «لشكر طيبة» و«جيش محمد» والفصائل التابعة لها. وتعمل الهند من جهتها على عدة خيارات أخرى لعزل باكستان دولياً، ومن بين الإجراءات التي اتخذتها الهند، إعادة النظر في «معاهدة مياه نهر السند»، التي تنظم تقاسم المياه بين الدولتين، وينبع نهر السند من جبال الهمالايا ويخترق باكستان من الجانب الهندي لكشمير، وهو يعد العمود الفقري لباكستان والمصدر الوحيد للمياه اللازمة للزراعة والري ومياه الشرب للشعب الباكستاني كله.. إلا أن الجهود الهندية ربما لا تنجح بسبب الصداقة القوية القائمة بين باكستان والصين، ونظراً لأن الصين عضو دائم في مجلس الأمن، فلا شك أنها ستقف إلى جانب باكستان ضد أي محاولة هندية لفرض عقوبات اقتصادية، أو أي نوع من العقوبات الأخرى على إسلام آباد. ويضاف إلى ذلك أن عدداً من الأنهار تتدفق من الصين إلى الهند، وأهمها نهر «براهام-بوترا» الذي يعد شريان الحياة لأقاليم الهند الشرقية، ويعتمد مئات الملايين من الهنود على مياه هذا النهر، وأي إجراء من الصين لوقف تدفق أي من روافد النهر المذكور في إطار الانتقام من الإجراءات الهندية لمنع تدفق نهر السند، سوف يمثل كارثة حقيقية بالنسبة للهند. وعلى الرغم من أن الأحزاب السياسية الهندية نادراً ما تتفق بشكل جماعي على شيء، فإنها أيدت مواقف حكومة «مودي» الرامية للضغط على باكستان. *مدير المركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي