في شهر أغسطس 2014 وصفت صحيفة «نيويورك تايمز» الحالة السياسية السائدة في أميركا حينها بأنها «لحظة الخيار الليبرتاري»، وذلك في إحالة إلى مواقف الحزب الأميركي الذي يحمل هذا الاسم، بتوجهاته السياسية التي تأخذ من تقاليد اليمين الأميركي جوانبها المتعلقة بالدفاع عن حقوق الملكية والحريات الاقتصادية، ومن تقاليد اليسار رؤيته التقدمية المتصلة بقضايا العدالة الاجتماعية والحريات المدنية. وقد شهد هذا التوجه السياسي رواجاً في بلاد «العم سام» خلال السنوات الأخيرة، وخاصة في صفوف الشباب، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي بالذات. ولذا يرى كثيرون في خضم الحملة الرئاسية الأميركية الراهنة أن اللحظة الليبرتارية تبدو اليوم أيضاً أكثر إقناعاً بكثير من اللحظتين الترامبية والكلينتونية، إن صح التعبير، اللتين يسعى الحزبان الكبيران لإقناع جمهور الناخبين الأميركيين بالاختيار بينهما حصراً. ولكن ليس لزاماً على الشعب الأميركي قبول أحد هذين الخيارين بالضرورة، لأن ثمة فعلاً خياراً ثالثاً في اقتراع 8 نوفمبر، ممثلاً في غاري جونسون مرشح الحزب الليبرتاري لهذه الرئاسيات، الذي يستقطب الآن اهتماماً إعلامياً وسياسياً كبيراً في مختلف أنحاء الولايات المتحدة. وقد جعل هذا كثيرين يتساءلون الآن بشغف: هل يفعلها جونسون في النهاية ليحدث في الاستحقاق الرئاسي أكبر مفاجأة سياسية في تاريخ أميركا إن فاز، وإن كان هذا مستبعداً بقوة، فهل يكون له على الأقل دور حاسم في اقتطاع وانتزاع طرف كبير من الكعكة بما يؤثر سلباً على أحد مرشحي الحزبين الرئيسيين؟ ولكن قبل هذا وذاك، من غاري جونسون نفسه، السيرة والمسيرة والمسار والأفكار. وُلد غاري إيرل جونسون في 1 يناير 1953 في بلدة «مينوت» بولاية داكوتا الشمالية، لأسرة لوثرية بسيطة، حيث درس هناك إلى أن التحق بجامعة ولاية نيومكسيكو في مدينة «ألباكركي»، حيث درس العلوم السياسية، وفيها التقى أيضاً بمن ستكون زوجته المستقبلية «دي». وفي نيومكسيكو بدأ كذلك مسيرته المهنية التي تكللت بانتخابه حاكماً لهذه الولاية لفترتي ولاية متتابعتين على امتداد الفترة من 1995 إلى 2003. وفي فترة حكمه هذه بدأت تتكشف بعض أكثر توجهاته السياسية إثارة، حيث عرفت عنه دعوته إلى عدم التوسع في إصدار التشريعات المتعلقة بكل شاردة وواردة، والاقتصاد في التقنين والاقتصار على الضروري منه فقط فيما يتعلق بالتشريعات الفيدرالية مع ترك هوامش أوسع للقوانين والنظم المحلية الخاصة بالولايات. وخلال فترتي حكمه استخدم حق النقض «الفيتو» ضد عدد من القوانين بمعدل يفوق بكثير ما استخدمه مجموع الحكام الـ49 الآخرين في بقية الولايات الأميركية الأخرى. ولذلك نال جونسون في تلك الفترة لقباً ذاع تالياً هو «حاكم الفيتو»! كما عرف عنه أيضاً ميله لتقليص الضرائب بشكل كبير. ومع هذا فقد تمكن من تقليص العجز العام لمداخيل الولاية في نهاية فترة حكمه الثانية بشكل ملحوظ، حيث فاضت خزائن ولايته بفائض مالي بلغ مليار دولار. ومنذ فترة حكم جونسون لولاية نيو- مكسيكو، وما سجل فيها من نجاحات اقتصادية كبيرة بدأ الإعلام الأميركي من التيار الرئيس يولي قصة صعوده السياسي والإيديولوجي اهتماماً كبيراً، كما أحذ هو أيضاً يرفع من سقف طموحاته السياسية لتتجاوز المستوى الولائي إلى المستوى الوطني الفيدرالي، ومنذ ذلك الوقت بدأ جهوده الحثيثة الرامية لكسر طوق الحاجز الزجاجي الذي تضعه الثنائية الحزبية التقليدية الأميركية فوق سقف طموح أي سياسي يروم الترشح للرئاسة من خارج الحزبين الكبيرين. وكان جونسون قد تقدم مرشحاً لأول مرة للاستحقاق الرئاسي سنة 2012 على بطاقة ترشيح الحزب الليبرتاري، ولكنه لم ينل في صناديق الاقتراع سوى 0,99% من أصوات الناخبين. ولكن حتى هذا الرقم البسيط يعني كثيراً بالنسبة لبلد كالولايات المتحدة، حيث صوت لصالح جونسون 1275971، أي أنه استقطب ثقة وتصويت أكثر من مليون من الناخبين. ومن واقع تلك التجربة، حتى لو كانت محبطة بعض الشيء، وفي ظل شدة الاستقطاب الحالي في رئاسيات 2016، عاد جونسون من جديد مذكراً بنفسه، مترشحاً للرئاسة الأميركية مرة أخرى بمعية مرافقه على بطاقة ترشيح الحزب الليبرتاري «ويليام ويلد». ولعل ما تقدمه استطلاعات الرأي العام الآن من أرقام يعزز ثقة غاري جونسون في إمكانية اجتراح نتيجة أفضل في يوم 8 نوفمبر المقبل، حيث تتراوح النتائج التي يتحصل عليها في نوايا التصويت بين 10 و15% في بعض الاستطلاعات، وهذا رقم لم يحققه أي مرشح ثالث من خارج الحزبين الجمهوري والديمقراطي منذ عشرين سنة تقريباً. وأكثر من هذا أن تموقع جونسون الإيديولوجي يجعله أيضاً حلاً وسطاً بين دونالد ترامب اليميني المحافظ المتطرف والمتمرد على المؤسسة الحزبية الجمهورية وعلى الطبقة السياسية بصفة عامة، والمرشحة الليبرالية هيلاري كلينتون المتهمة هي أيضاً من قبل اليمين بعدم الاختلاف كثيراً عن نهج زوجها الرئيس السابق بيل كلينتون ومحازبها الرئيس أوباما في نزعتهما الليبرالية اليسارية شبه الراديكالية. وتتجلى وسطية جونسون وتموقعه الإيديولوجي الملائم وسط سجالات المشهد السياسي الأميركي الراهن من كونه مصنفاً عادة كمحافظ صلب في الأمور الاقتصادية، وتقدمي جسور في القضايا الاجتماعية. والخلط بين هذين التصنيفين هو ما يجعله المرشح الملائم للقطاع العريض من الجمهور الأميركي اليوم، حيث إن يسارية المرشح الديمقراطي السابق بيرني ساندرز تعتبر ثورية أكثر من اللازم بالمعايير الأميركية، ويمينية ترامب ومحازبيه الجمهوريين تعتبر هي أيضاً رجعية بالمعايير الأميركية. وأما هيلاري فتبدو أقرب إلى ساندرز بهذا المعنى اليساري، مع عدم تمتعها أيضاً بأي شيء جذاب في نظر اليمين المحافظ الأميركي، والطبقة العاملة البيضاء العريضة. ونظراً لتراجع شعبية المرشحَين الأساسيين هيلاري وترامب اللذين يعتبران هما الأقل شعبية في تاريخ مرشحي الرئاسة الأميركية، وكذلك ضعف شعبية المرشحة الإيكولوجية جيل ستاين التي لا تعطيها استطلاعات الرأي الآن سوى 3% من نوايا التصويت، يتساءل كثيرون إن كان غاري جونسون سيتمكن في النهاية من استغلال كل هذه الفرص لانتزاع أكبر قدر ممكن من أصوات الناخبين ليكسر بذلك احتكار الحزبين، لتقديم مشروعه الليبرتاري كرؤية جديدة عابرة للحزبية، وحل وسط لتجاوز الاستقطاب العقيم الذي عانت منه واشنطن، وأميركا، طيلة السنوات الثماني الماضية؟ ومع أن جونسون قال في مقابلة خلال شهر أغسطس الماضي إنه لا شيء يمنعه أصلاً من الفوز بالرئاسة، كون مشروعه هو الأكثر إقناعاً وجاذبية وخدمة للشعب الأميركي، إلا أن دخوله البيت الأبيض يبقى مع ذلك احتمالاً بعيداً للغاية، ولعل تحقيقه اختراقاً كذلك الذي حققه مرشحون آخرون من خارج الحزبين مثل نتائج المرشح المستقل الملياردير روس بيرو في رئاسيات دورتي 1992 و1996 سيكون إنجازاً كبيراً في حد ذاته، وربما يمثل خطوة مهمة على طريق تفكيك وخلخلة هيمنة الثنائية الحزبية وفتح الأفق السياسي الأميركي أمام قوى جديدة وتعددية حزبية حقيقية غير محتكرة، وبالمعنى المعتاد في دول أخرى لمفهوم التعددية السياسية والحزبية المفتوحة أمام الجميع. حسن ولد المختار