في جلسة حوار مغلقة، أخذنا نتناقش في التحولات العربية المفاجئة منذ عام 2011، ففي مصر تمت إطاحة الرئيس حسني مبارك، وبمباركة أميركية في الأخير، وسبقها تونس وفرار رئيسها بن علي، ومن ثم أحداث سوريا المتواصلة، وبعدها اليمن. ولعل أهم ما نعرفه عن هذه الأحداث أنها مترابطة وتشتم فيها رائحة تذكرنا برحيل شاه إيران والثورة الدينية التي قادها الخميني. يقول أحدهم إن ما يحدث في سوريا ليس حرباً من أجل مشروع نهضوي، وليس حرباً من أجل الديمقراطية.. إذ تعد المنطقة العربية على العمود بيئة طاردة لأي تحول ديمقراطي. فالتحول نحو الديمقراطية مازال شائكاً وعثراته كثيرة ومعقدة، فهي حرب نتيجة لضعف السياسات العربية وغياب المبادرة. فبعد رحيل «البعث» العراقي بقيادة صدام حسين، تركت المنطقة العربية دون محاولة لسد الفراغ، ما شجع الإيرانيين على الدخول في المعادلة العربية، وتحولت إيران إلى دولة نافذة في مجمل القضايا العربية، لكونها تحمل استراتيجية محددة وتمضي بخطوات مدروسة، بينما الجانب العربي يحمل الضعف والإنهاك والتناحر الداخلي، ومن ثم جاء تحالف بشار الأسد لغياب العرب وعدم قدرتهم على أخذ زمام المبادرة، فهم دائماً ما يشكلون عبئاً على حلفائهم، خصوصاً الأميركان. وثمة محاور يرى أن المنطقة مقبلة على تغيرات كبيرة، لكونها منطقة مليئة بتناقضات سياسية ومصدِّرة لكثير من أنماط التطرف، لذلك نشهد تقارباً غربياً حول سياسة موحدة حيال هذه المنطقة التي تحولت إلى أكبر بؤرة صراع وتوتر وحاضنة لأشكال مخيفة من الإرهاب على حد قوله. ومن القضايا المهمة أيضاً، طبيعة الذهنية السائدة بين صانعي القرار، فهي ذهنية تتسم باللامبالاة، لذلك بات تصاعد الأزمات يشكل أهم تحدٍ يواجه المنطقة العربية. كان هناك إجماع بين المتحاورين على أن ما يحدث ليس إلا نتيجة لسياسات ناقصة النضج، سياسات غير عابئة بالتغير العالمي، خصوصاً في جوانب التطور المعلوماتي وتقنيات العصر الجديدة التي لم يعد من الممكن فهمها ضمن سياقات تقليدية ما زالت حاكمة للثقافة العربية، ومن ثم فالتغيير الصحيح هو ما ينبغي أن يتجه نحو العمق، أي إلى معالجة خلل الذهنية العربية التي ما زالت مصرة على التشبث بنمطها القديم. شخصياً أثرْت قضية المال باعتباره مفتاحاً لكل المشكلات، محلياً وعالمياً، حيث ينفق العرب مليارات الدولارات على تحسين الصورة الخارجية، ولا يبالون بالمشكلات الداخلية. والنقطة المهمة هنا هي أن ذهنية التفكير لدى الشباب تغيرت، وباتت تختلف بقوة عن ذهنية صانع القرار، وهذا ما يولد فجوة بين من يحتل المقاعد الفوقية ومن يجلس في القاعة، فالتباعد يؤدي إلى تكوين أنماط سلوكية جديدة، منها على سبيل المثال ظاهرة التطرف، سواء من اليمين أو من اليسار. وقد أجمع الكل على أن من ينضم إلى صفوف «داعش» أو غيره من التنظيمات، ليس بالضرورة حاملاً معه سمات دينية بقدر ما هو حامل للإحباط والرغبة في الانتقام. إذن، فنحن أمام تحديات ثقافية عاصفة، لن تحلها خطط تنموية بعيدة المدى، بل يندرج حلها في إعادة تقييم السياسات ونمط التفكير، وكيفية مشاركة الناس فيما يدور وما يحدث من أمور تمس أمنهم. وطالما أن المواطن العربي يشعر بالتهميش، فعلينا أن نتنبأ بالمزيد من التفكك وتطور رغبة الثأر. ومن الواضح أننا بحاجة إلى تصالح داخلي بالدرجة الأولى، وبالأخص حول كيفية تحويل الطاقة البشرية إلى قوة حقيقية قادرة على المشاركة في صنع الحاضر والمستقبل.