يوم الأربعاء الماضي، أعلن بنك اليابان الذي عرفت عنه ميوله المحافظة، عن إطلاق سياسة مفاجئة غير معهودة تنطوي على خطة تعهد بها لاستهداف أسعار فائدة محددة. وأنا أشك، في هذه المرحلة بالذات، أن ينجح بتحقيق أي إنجاز أفضل من الإبقاء على حذَره التقليدي. ومن الناحية التاريخية، لم يكن بنك اليابان أبداً في طليعة البنوك التي تتبنى السياسات المالية الاختبارية. أو على أقل تقدير، هكذا كانت حاله تحت إدارة حاكمه السابق ماساكي شيراكاوا الذي عارض فكرة الانسياق وراء الابتكارات ذات الصفة الهجومية في الخدمات المالية، وراح بدلاً من ذلك يحاول تخفيف الأعباء عن بقية صنّاع القرارات بالاعتماد على أفضل الأدوات التي كانت متاحة أمامه. إلا أن هذه السياسة تغيرت برمتها في شهر مارس 2013، عندما حل محله «هاروهيكو كورودا» في حاكمية بنك اليابان، وهو الذي كان يشغل منصب حاكم «البنك الآسيوي للتنمية» قبل ذلك. وفي إطار سعي دؤوب لـ«كورودا»، وفي ظل «عقدين ضائعين» من النمو، ومع خشيته من تعميق حالة الانكماش النقدي، وتحت الضغوط التي تعرض لها بسبب الشعبية السياسية لرئيس الوزراء «شينزو آبي»، شرع في تنفيذ سياسة مالية ابتكارية هجومية. ولكن لسوء حظه، أثبتت النتائج أن تلك السياسة كانت أقل نجاحاً بكثير مما كان يتوقع. وبدلاً من أن يتراجع البنك المركزي الياباني عن الجري وراء التوقعات السابقة المتعلقة بفعالية مبادراته الأولى لتطبيق هذه السياسة، فضّل قطع شوط أبعد بتنفيذها هذا الأسبوع. وكانت إجراءاته الجديدة تشتمل على طرح سندات مالية حكومية بمعدل فائدة محدد لمدة 10 سنوات. وفي هذه العملية، أقدم البنك على إجراء غير محبّذ إنْ لم نقل إنه غير معقول، عندما عمد إلى استخدام أدوات الرقابة المالية المباشرة مخالفاً بذلك التوصيات السياسية المالية التي اعتادت أن تلجأ إليها الدول المتقدمة مراراً وتكراراً في تعاملها مع اقتصادات الدول الصاعدة. وقالت مصادر البنك في معرض توضيحها لهذه السياسة إن «علبة الأدوات» التي استخدمتها لهذا الغرض لم تكن فارغة. إلا أن المشكلة الأساسية لا تكمن في هذه النقطة بالذات، بل فيما إذا كان في وسع البنك المركزي أن يستعيد الفعالية في تنفيذ سياساته المالية. ويمكن القول إن المؤشرات الأولى حول هذه الناحية بعيدة جداً عن أن تكون مشجعة. وهذا الوضع يشبه ما حدث بداية العام الجاري عندما فاجأ البنك المركزي الياباني الكثيرين بإعلانه عن تخفيض الفوائد على الودائع المالية قصيرة الأجل إلى المستويات السالبة. وتوحي نتائج هذا الإجراء بشكل كبير بأن سياسة البنك لم تفقد فعاليتها فحسب، بل أصبحت غير منتجة وأدت إلى نتائج عكسية. ولننظر إلى حال الين. فبعد التخفيض الأولي لقيمة صرفه – وهو الإجراء الذي أراد المسؤولون اليابانيون من ورائه تعزيز النمو عن طريق زيادة الصادرات وزيادة الطلب على البضائع المحلية لتعويض الواردات- إلا أنه ارتفع من جديد. وإذا استمرت الأمور على هذه الحال، فسوف تميل الأسواق المالية نحو موجة من البيع لتفقد بذلك مكاسبها التي حققتها يوم الأربعاء. وقد يعتقد البعض أن البنك المركزي الياباني لا بد أن يكون قد اتخذ احتياطاته لتجنب بلوغ هذا الوضع. وربما يكون قد عزم على تخفيض معدلات الفائدة بشكل أعمق في الاتجاه السالب عن طريق توسيع العمل ببرامج التخفيف الكمّي من موجة شراء الأصول، إلا أنني أشك في أن تكون هذه الفكرة صائبة. واستناداً إلى المؤشرات الأولى، يمكن القول إن البنك المركزي الياباني انحدر إلى حالة «الخسارة التي تجرّ الخسارة» التي وصفها بين برنانكي الحاكم السابق للخزينة الفيدرالية الأميركية في شهر أغسطس 2010 بأنها معادلة رياضية لسياسات مالية غير تقليدية تتضمن المجاهيل الثلاثة (المكاسب، والتكاليف، والمخاطر)، وبحيث تكون المكاسب في القيمة السالبة، والتكاليف التي تشتمل على العواقب غير المنظورة، في حالة ازدياد، فيما أصبحت المخاطر أكثر حدّة. وفيما يتعلق بالعواقب والتداعيات، فيبدو لي أن البنك المركزي الياباني يعمل بدأب على تقويض مصداقيته في نفس الوقت الذي يفتح فيه الباب على مصراعيه أمام تدخل سياسي أوسع في شؤونه وممارساته. وسوف يكون حاله أفضل على المدى القريب والبعيد لو تراجع عن إجراءاته المالية الهجومية. وعليه أن يجعل إجراءاته متوافقة مع انطلاقة الحكومة إلى الأمام بحماسة أكبر لتنفيذ مشروع «السهم الثالث» الذي تبنّاه «آبي» والذي يهدف إلى تحقيق إصلاحات هيكلية تنموية شاملة وزيادة القدرة التنافسية للاقتصاد عن طريق الرفع من شأن المرأة في مواقع العمل حتى تتساوى مع الرجل، وتطوير نظام حوكمة الشركات، وإصلاح أسواق العمل والتوظيف، وزيادة فعالية المخصصات المالية. وهذه هي بالضبط القضايا التي يجب التركيز عليها، وليس على توسيع سياسة المجازفة والاختبار التي يتبناها البنك في اليابان أو في أي مكان آخر. مدير مجلس التنمية العالمية التابع للرئيس أوباما ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»