ــ الذين يعرفون كيف يعبرون عن حبهم للوطن، تعبيراً مؤثراً وراقياً، قليلون· وأقل منهم من يجيدون هذا التعبير إذا كان له ثمن، سواء أكان الثمن مادياً أم معنوياً· فإذا كان الثمن مزدوجاً يدفع فيه صاحب التعبير ، أو يخسر، مادياً ومعنوياً، أصبحنا أمام ندرة حقيقية في القدرة على مثل هذا التعبير·
ــ ومع اختفاء التنظيمات السياسية التي كانت تحتضن الوطنيين الشرفاء، وتزين لهم العيش في ظلال الكرامة الوطنية والعزة القومية، ولو كان في غياهب السجون، حتى يرونه أحلى مذاقاً من الحياة الناعمة المرفهة في القصور الفاخرة أو البيوت الثمينة الرياش، أصبح الذين يتحدثون -مجرد حديث- عن الوطن وحقه على المفكر أو الكاتب أو المبدع أو الفنان يعدون على أصابع اليدين· وليس هذا مرضاً مصرياً فقط، بل هو مرض يصيب كل الشعوب التي تعيش تحت حكم الاحتكار السياسي الذي لا يفرق بينه وبين الاستعمار الأجنبي إلا أسماء ذوي الجاه والسلطان في الحالين!
ــ وعندما كنا أطفالاً كان بعض مدرسينا يعلموننا التغني بقول الشاعر:
ولـي وطـن آلـيت ألا أبيعـــــــــــــــــــــــــه
وألا أرى غيري له الدهرَ مالكا!
وكانوا يعرفون أن الوطن الذي يقسم الشاعر ألا يبيعه هو بيته الصغير الذي يسكنه، ومع ذلك فقد كانوا يرضعوننا المشاعر الوطنية بتأويل الكلمة على معناها المعاصر بدلاً من أن يحصروها في معناها اللغوي القديم!
ــ وهكذا نشأت أجيال مدربة، ومقتنعة، بحقوق الوطن، تحبه حبَّ العشاق الصوفيين، لا حب النفعيين وسرّاق الثروات ومشيعي الفساد وطالبي المتعة، حلالاً كانت أم حراماً· الأولون حبهم حقيقي لا يبالون في سبيل الثبات عليه، وتوريثه لمن بعدهم، بالثمن الذي يؤدونه؛ وكثيرون منهم أدوّا عشرات السنين من أعمارهم في المعتقلات والسجون، وحرموا من مجرد الحق في الحياة الحرة، وهو ثمن أغلى -عندي - من الحياة نفسها·
ــ وقد جمع حب الوطن جميع ألوان الطيف السياسي المصري، وهو كذلك في كل وطن يستحق هذا الاسم·
ومهما تكن الخلافات في البرامج، والمناهج، والأولويات، والمرجعيات؛ فإن الهدف النهائي للمحبين جميعاً كان رفعة الأوطان واستقلالها وإنقاذ ثرواتها لتصبح حقاً لأبنائها جميعاً، وتحرير الإرادة الوطنية من التبعية للأجنبي في السياسة وفي الاقتصاد، وفي الإدارة والتعليم، وفي الإعلام والفن سواءً بسواء·
ــ منذ أسابيع قليلة كان صديقي المثقف الواعي، الذي يمنعه عمله القضائي من الاختلاط بالحياة العامة والمشاركة فيها، يقول لي إن هذه المشاعر الوطنية، شبه الصوفية، قد اختفت تماماً! وإن الذين لا يزالون يؤمنون بها إما أنهم ماتوا، وإما أنهم لا يجرؤون على الجهر بها لأنهم بذلك يسبحون ضد التيار· وعدَّد لي أسماء كثيرة للمتاجرين بالوطنية ليؤكد لي أن هؤلاء، وحدهم، هم الباقون على الساحة· وكان محبطاً بادي الضيق، ولم أفلح في إقناعه بغير ما كان -يومئذ- يراه!
ــ صباح (الجمعة 24/10/2003) طالعتنا الصحف بموقف جميل، مؤثر حقاً، لواحد من المصريين البسطاء الأقوياء، لم يتوقعه منه أحد، ولم يستغربه عند وقوعه أحد!
موقف أذهب عن صديقي القاضي المثقف ضيقه وإحباطه وحوله، وهو يقصُّهُ عليّ بالهاتف، إلى أشبه ما يكون بطائر سعيد مغرِّد!
ــ صُنع الله إبراهيم، روائي مبدع، يساري التوجه، يعبر أدبه عن فكره بلا مواربة ولا رياء· لم ألتق به على المستوى الشخصي أبداً، ولا أذكر أنني في المرتين اللتين رأيته فيهما -في مناسبات عامة- تحدثت إليه أو حتى صافحته· ولكنني قرأته في رواياته، وقرأت كثيراً مما كتب عنه، وقرأت حوارات صحفية معه بعضها استخرج منه جواهر آرائه وبعضها كان غير ذي بال·
ــ وقف صنع الله إبراهيم على خشبة المسرح الذي تم تحضيره ليُمْنَح صنع الله من فوقه جائزة الرواية العربية، ليعلق في كلمات موجزة -يصلح وصف الطيب صالح للغة صنع الله، لوصفها، فهي في إيجازها تبلغ حد التقشف!- اعتذاره عن عدم قبول الجائزة لأنها صادرة من حكومة لا تملك في نظره مصداقية منحها !
ــ كانت الحيثيات التي ساقها صنع الله إبراهيم لهذا الرفض الذي سماه بلغة مهذبة اعتذاراً أن الكاتب العربي ليس بوسعه أن يتجاهل ما يجري حوله وأن يغض الطرف عن المهانة التي تتعرض لها الأمة من المحيط إلى الخليج، عن القهر والفساد، عن العربدة الإسرائيلية والاحتلال الأميركي، والتواطؤ المزري للأنظمة والحكومات العربية في كل ما يحدث · قال صنع الله:
في اللحظة التي نجتمع فيها هنا تجتاح القوات الإسرائيلية ما تبقى من الأراضي الفلسطينية وتقتل النساء الحوامل والأطفال وتشرد الآلاف وتنفذ، بدقة ومنهجية واضحة، خطة لإبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره من أرضه· لكن العواصم العربية تستقبل زعماء إسرائيل بالأحضان واستمر صنع الله إبراهيم منتقداً وجود السفير الصهيوني على أرض القاهرة، واحتلال السفارة الأميركية حياً كاملاً من العاصمة المصرية، وانتشار القوات الأميركية في الوطن كله الذي وصفه صنع الله بأنه الذي كان عربياً !
ثم قال صنع الله إن الكارثة المحيقة