مرت الأيام سريعاً بين انقلاب الجيش، وتمكن أردوغان من جديد وشروعه في الانتقام..هذا ملخص لأهم حدث في تاريخ تركيا المعاصرة.. فلأول مرة يقف الشعب مع الحكومة في صف واحد ضد محاولة الانقلاب، ومعهم اصطفت أحزاب المعارضة كي تؤكد للعالم أن ديمقراطية تركيا لا عودة عنها. أودّ في هذا المقال تلخيص دروس تعلمتها وأسردها على عقولكم ثقةً برجاحة فكركم،. الدرس الأول أن الترك يعشقون ديمقراطيتهم التي أوصلتهم إلى مستوى من رغد العيش وقوة الاقتصاد الذي انتفعت به فئات المجتمع قاطبة على اختلاف نحلهم ومملهم.. وهذا أمر يسجل لحكومتهم ولا يستطيع أحد تجاهله، لذلك لم أر في مسيرات الشعب التركي إلا علم تركيا الذي يجمعهم رغم تناقضاتهم بعيداً عن صور الزعماء. الدرس الثاني يتلخص في أن كذبة الديمقراطية قد آن لنا أن نتجاوزها نحن كعرب.. الديمقراطية التي منّى البعض شعوب المنطقة بها، وشجعهم على ثورات ما يعرف ب«الربيع العربي» كي يجنوا ثمارها، هي في حقيقية الأمر خدعةً لتدمير المنطقة لا لبنائها.. فجل الثورات في العالم العربي قديمها وحديثها قادت المنطقة من سيّء إلى ما هو أخطر منه.. لقد حققت الأنظمة الملكية العربية إنجازات فشلت عنها كل الأنظمة الثورية، ولكم أن تتخيلوا حال العراق وليبيا لو بقيا ملكيتين، ولم تتحولا إلى النهج الثوري. قد يستغرب البعض هذا الكلام وما علاقته بما جرى في تركيا.. الغرب الذي تغنى بالديمقراطية لم يشجب الانقلاب في تركيا إلا بعد أن ثبت فشله، فَلَو كانت الديمقراطية قيمة يتمناها الغرب لغير بني جلدته لرفض الانقلاب عند أولى شرارته، لكن الديمقراطية الغربية قد لا تكون الصورة المثالية لكل أمّم الأرض، وآن لنا أن نبحث في الغايات ونجتهد في الوسائل التي تمكننا من تحقيقها بدلاً من أمنيات وسياسات قد لا تناسب منطقتنا. الدرس الثالث مِن التجربة التركية يتلخص في برجماتية القيادة لديهم، فلم أجد في الزمن الحاضر من هم أدهى من بعض أتباع التيارات السياسية في تركيا، من حقهم كحزب حاكم أن يحققوا مصالح شعبهم، وأمنيات أمتهم التي انتخبتهم، وهذا الأمر تطلب منهم حنكة في السياسة من النادر أن تجدها اليوم، لكننا نعيش فصولها.. فتركيا دولة علمانية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معانٍ، لكنهم يرفعون شعار التدين لتحقيق بعض مصالحهم، وهذا ما دفع تيارات الإسلام السياسي في الوطن العربي لتأييدهم ومباركة أعمالهم والدعاء لهم، رغم أن أنقرة لها علاقات مع كل تناقضات العالم من سياسات، فالأتراك يتعاونون مع الروس ومع إيران في التعاون الاقتصادي، ولديهم أمل في الانضمام للاتحاد الأوروبي، وأميركا حليفتهم، ولديهم علاقات مع إسرائيل.. بعد هذا كله يستغرب العاقل كيف اعتقد البعض أن تركيا تمثل النموذج الإسلامي المنتظر وقبلة الإسلاميين في الفكر، إن كان النموذج التركي كذلك؟ فهل ترضى أن تستنسخه في بلادك، أم أن سياسات الأتراك حلال عليهم، مُحرمة على غيرهم؟ الدرس الرابع عنوانه جماعات إسلامية مخترقة، وأدى ذلك إلى صراعها عندما تتعارض مصالحها.. الكل يعلم أن العلاقة التاريخية بين الرئيس التركي أردوغان وفتح الله جولن الداعم الأساسي له فترة من حياته السياسية، بيد أن الخلاف بين الحزبين قاد البلد إلى ما رأينا: دولة علنية وفي الظل أخرى حزبية سرية، نفس الصورة شهدناها بين أحزاب الصراع الإسلامي في أفغانستان.. وليبيا اليوم نموذج آخر لهذا الصراع، الأمر ينسحب على «داعش» و«القاعدة»، هذه التجربة تؤكد لنا أنها جماعات مخترقة من قوى تحقق من خلالها مصالح القوى العظمى، بعيداً عن الأهداف الوطنية.. إنها حزبية دينية تهدم ولا تبني.