«إذا أردتَ أن تصنع عطراً، خذ بعض ماء الورد واغسل كفيك به، ثم خذ زهرة لافندر وامسح بها راحتيك وستبلغ المفعول المراد». قال ذلك الرسام «دافنشي»، وقد مسحتُ راحتي بيوميات الكاتبة العراقية الكندية نسرين ملك. عنوان اليوميات «سارق اللافندر»، وتفتتحها كلمات الشاعر محمود درويش «أنا الغريبُ تعبتُ من صَمْتي». ولا تتعبُ نسرين من الكلام عن العراق والعراقيين عبر الأعوام والبلدان. وعندما تعود نهاية عام 2008 بعد غياب ثلاثين عاماً «لم أعرف بغداد، أستنشق الغبار، أختنق. بغداد تشبه مدينة دُمرت بإعصار، الفضلات في كل مكان. البنايات ملأى بثقوب من القصف، ومزدحمة على نحو لا يُصدّق». وأدركت نسرين أنها تركت بغداد «ولكنها لم تتركني. ما سرّ تعلق الناس ببلادهم؟». وبعد عقود من البحث عن ملاذ في بيروت، والقاهرة، وتورونتو «أشعر بأنني لا أنتمي لأي مكان. مصر منحتني حباً لن أنساه ما حييت، كندا منحتني الأمان، والعراق صقلني كما أنا كالريشة أحياناً والصقر معظم الأحيان». وعندما بدأ نشيد كندا الوطني في حفل استلامها الجنسية الكندية «أجهشتُ بالبكاء. بكيتُ حنيناً على بغداد ومصر. رفضتُ أن أغني معهم وتمتمتُ بأغنية بلادي بلادي بلادي لك حبي وفؤادي». وكعاشقة بلهاء تبتسم نسرين للعراقيين أينما تنقلت في مدن بلدها، بغداد، حيث ولِدت، والعمارة، حيث وُلِد أبوها، والسليمانية، مدينة صديقة حبيبة. «كنتُ ألاحظ الوجوه حزينة وعابسة». جرّتها صديقتها من ذراعها، وقالت: «دخيل الله نسرين استري علينا، ترى الناس عبالهم إنتي مخبلة، بطِّلي توزيع الابتسامات»! ولم «تُبطِّل» نسرين توزيع الابتسامات حتى لعصفور اكتشفت أنه يسرق أزهار «لافندر» جلبتها من عمان إلى بغداد. و«اللافندر» زهور الخزامى بالعربية، ملهمة الشعراء، والنطّاسيين، تضعها نسرين تحت مخدتها لتساعدها على النوم. والروائح دليل نسرين في الحياة، روائح القهوة، والشاي بالهيل، وتراب بغداد بعد المطر، والبحر في بيروت، والبخور، وعطور عباءات الإماراتيات. وبالروائح تميز الأماكن والبشر، وكان قلبها يغرد وهي طفلة لرائحة ابنة خالها الشاعرة «نازك الملائكة». ولا رائحة في الدنيا أحب لنفسها كزهور بلدها، الياسمين، والرازقي، وزهور الليمون والبرتقال، ويسميها العراقيون «قِدّاح». وفي شنغهاي حيث يعمل ويعيش ابنها مع زوجته الصينية وجدت في السوق باقة «قِدّاح»، و«شهقتُ مندهشة، وصرختُ بأعلى صوتي حتّى خافت البائعة الصينية منّي». وجَلَسَتْ على كرسي قريب من باقة «القداح» تشمّها، وتبكي، وتحدث ابنها عن «قِدّاح» حديقة منزل الأسرة في الكرادة ببغداد. وسارع ابنها لدفع ثمن «القدّاح» ورجاها ألا تبكي لأن «القداح راح يذبل إذا تبجين». ونسرين ظاهرة فريدة بين حشد المثقفين العراقيين الهاربين من النظام السابق. مقالاتها بالإنجليزية ضد الغزو نشرتها مواقع راديكالية أميركية، مثل «كاونتر بنج» و«كاونتر كَرَنت» فيما كان ممثلو اليسار العراقي يشاركون في حكومة الاحتلال. وكتابُها «سارق اللافندر» رسائل إلكترونية شخصية حثّتها على نشرها بالعربية الروائيتان العراقيتان إنعام كججي، وعالية ممدوح، والتي ذكرت في عرضها للكتاب أن ما تسميه نسرين «خربشات» هي «في الواقع نشيد حبّ لموطنها الأصلي بروائحه وبيوته الكريمة، ولذلك الزمن الجميل الذي عاشته في كنف أهلها». وفي أمسية توقيعها على كتابها في «غاليري رؤى» بعمّان لم أصدّق أذني عندما أشاد بوطنيتها سعد عبدالمجيد العلي، زميلها في كلية العلوم بـ«جامعة بغداد» وسفير العراق حتى مطلع العام الحالي في هولندا، وقال نسرين وقفت ضد الاحتلال على رغم اضطهاد النظام السابق لعائلتها باعتبارها «تَبَعية». ويُطلق «تَبَعية» على عراقيين يحملون أصولاً إيرانية. و«تَبَعيةُ» العراقيات المختلفات الأديان والمذاهب «لافندر حار، ونعناع، وزعتر البَر، المُخمَلُ الذي يذهب إلى السرير مع الشمس، ومعها يستيقظ باكياً»، قال شكسبير.