تعددت الأسباب والنتيجة واحدة: مشهد تركي قصير بعنوان «انقلاب عسكري» أخرجه باقتدار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وشارك فيه عدد محدود من العسكريين بجانب آلاف المواطنين الأتراك، وشاهده معظم شعوب العالم، وكانت النتيجة هي النهاية التي طالما سعى إليها الرئيس التركي وهي: إحكام قبضته على كافة مؤسسات الدولة التركية بما فيها القوات العسكرية بلا منازع أو شريك. وتلك النهاية بقدر ما هي سعيدة للرئيس التركي إلا أنها ضربة قاصمة لمظاهر الديموقراطية ومؤيديها. فهل الحكم الديموقراطي يؤيد عزل أكثر من 8 آلاف ضابط شرطة واعتقال ما يقارب 6 آلاف ضابط وجندي في الجيش، من مختلف الرتب العسكرية، منهم قائد سلاح الجو السابق، وقادة الجيش الثاني والثالث، هذا فضلاً عن اعتقال أرفع قضاة الدولة بالمحكمة الدستورية والإدارية خلال أقل من يومين بعد فشل الانقلاب العسكري في تركيا؟ وهل الديموقراطية هي تعطيل سلطة القانون واستبدالها بسلطة فردية تقوم باعتقال وإقالة أي شخص مشكوك في ولائه لرئيس الدولة التركية؟ وهل الديموقراطية هي سيادة الانتماء لشخص واحد وليس تعدد الآراء والانتماءات والأفكار ضمن مناخ حر مسؤول؟ وهل الديموقراطية تجعل أبرز القادة والمسؤولين في العالم ينظرون بعين الريبة للإجراءات الفردية التي نفذها الرئيس التركي في أعقاب فشل الانقلاب العسكري وبالتالي تقوم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ووزير الخارجية الأميركي جون كيري ورئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتس، وغيرهم كثير بتوجيه تحذيرات قوية لأردوغان بعدم انتهاك المبادئ الديموقراطية ووقف القرارات التعسفية وحكم الرجل الواحد؟ وهل الديموقراطية تجعل زعيمة العالم الحر الولايات المتحدة الأميركية تحذر تركيا بسحب عضويتها من حلف شمال الأطلسي «الناتو» في حال استمر الرئيس التركي وحكومته في سياساتهم الحالية بعد محاولة الانقلاب؟ وهل الديموقراطية تجعل تركيا -في ظل قيادة الزعيم الأوحد تعلن نيتها إعادة العمل بعقوبة الإعدام ما يهدد مساعيها للانضمام للاتحاد الأوروبي وهو ما أكدته المسؤولة عن الشؤون الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي، فريدريكا موغيريني، من أن «الاتحاد الأوروبي لن يسمح بانضمام دولة ستطبق عقوبات الإعدام». ثم هل الديموقراطية تجعل الرئيس التركي يتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي بمكيالين: يهاجمها حيناً ثم يستغلها لمواجهة الانقلاب حيناً آخر؟ ذلك هو الوضع في تركيا خلال الأيام القليلة الماضية التي تلت الانقلاب العسكري والتي اتضح لنا بجلاء خلالها مدى تمسك الشعب التركي الواعي بالأساليب والمنهاج الديموقراطي سبيلًا للتغيير السياسي وليس الانقلاب على السلطة. وقد سبق هذا الوضع مشهدان آخران قام أيضاً بإخراجهما باقتدار الرئيس التركي وهما: الاعتذار لروسيا عن إسقاط المقاتلة العسكرية الروسية قبل عدة شهور مما سيساهم في إنقاذ سوق السياحة التركية وإحياء التعاون الاقتصادي بين روسيا وتركيا، والمشهد الثاني هو إعادة التطبيع بين تركيا وإسرائيل بعد فترة طويلة من تجميد العلاقات الثنائية على أكثر من مستوى. وقد جاءت تلك المشاهد الثلاثة في أعقاب انتشار موجة من الاستياء من سياسات الرئيس التركي سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي. فغالبية الشعب التركي تشعر بعدم الأمان في ظل تزايد الهجمات الإرهابية ضده مؤخراً والشعور بفقدان الثقة في قدرة الأجهزة الأمنية على حماية المواطن التركي ضد الإرهاب مما له أثر بالغ على نمو الاقتصاد التركي بجانب التمرد الكردي القوي في جنوب شرق تركيا. وعلى الصعيد الخارجي، يسود مناخ دولي بتراجع الثقة في الرئيس التركي نتيجة سياساته تجاه «داعش». وبالتالي فإن المؤشرات كانت تؤكد اتجاه الأمور لـ«الانفلات» من سيطرة الرئيس التركي حتى جاءت المشاهد الثلاثة وآخرها «الانقلاب العسكري» لتفسح الطريق أمام أردوغان لإحكام سيطرته بقوة على جميع سلطات الدولة، وبالتالي هل نرى نموذجاً ديكتاتورياً في تركيا التي طالما تغنت بمظاهر الديموقراطية التي تطبقها؟ ---------------- * باحث إماراتي ?