لكي نفهم سبب الفشل الذريع الذي مُنيت به جهود الولايات المتحدة في تحقيق السلام الإسرائيلي الفلسطيني، فكل ما علينا فعله هو أن نلقي نظرة على خليط السياسات السيئة والسياسة الأسوأ الذي انطوى عليه برنامجا الحزبين «الجمهوري» و«الديمقراطي» بشأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. والبرنامج «الجمهوري» متطرف بشكل كبير، بل وغريب أيضاً، وبذكره إسرائيل في خمسة فصول مختلفة، يزعم الحزب «الجمهوري» أن إسرائيل «منارة الديمقراطية والإنسانية»! ويدعي أن «دعم إسرائيل هو تعبير عن الجوهر الأميركي»، ويعترف بأن القدس «عاصمة للدولة اليهودية»! ويدعو إلى نقل السفارة الأميركية إلى هناك. ويصف حركة «المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات» بأنها «معادية للسامية»، ويرفض مفهوم أن «إسرائيل كيان احتلال»، ويدعو إلى «وقف فوري لكافة التمويلات الأميركية للكيانات التي تعتبر أن الفلسطينيين دولة عضو»، في إشارة إلى اتفاقية الأمم المتحدة المبدئية بشأن التغير المناخي. ولأن لجنة إعداد «برنامج الحزب الجمهوري» ترفض أية إشارة لحل الدولتين أو إلى الاعتراف بالفلسطينيين كشعب، فإن المرة الوحيدة التي أتت فيها على ذكر الفلسطينيين في البرنامج كانت في سياق قطع التمويل المقترح عن «اتفاقية الأمم المتحدة المبدئية بشأن التغير المناخي». وأما برنامج «الديمقراطيين»، على رغم ضعفه، فقد كان أخف وطأة. وبدا أن الحزب أيضاً اضطر إلى الإسهاب في امتداح الإسرائيليين، زاعماً أن «قوة وأمن إسرائيل ضروريان للولايات المتحدة، لأنهما تتقاسمان نفس المصالح الاستراتيجية بعيدة الأمد والقيم الديمقراطية المشتركة، والمساواة، والتسامح، والتعددية»! ويعارض «الديمقراطيون» أيضاً أية محاولات لنزع شرعية إسرائيل، بما في ذلك داخل الأمم المتحدة، أو من خلال حركة «المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات». ولكن في صياغة متناقضة بشكل غريب، يقر البرنامج بأن القدس «مسألة معلقة حتى مفاوضات الوضع النهائي»، ولكنه في الوقت ذاته يصر على «أنها ينبغي أن تظل عاصمة لإسرائيل، ومدينة غير مقسمة ويحق للناس من كافة الأديان دخولها»! وأخيراً، بينما يرفض الجهود التي تتضمن لغة تدعو لإنهاء الاحتلال والمستوطنات (زاعماً أنها تتضمن «حكماً مسبقاً» بشأن قضايا سيتم تقريرها في المفاوضات!)، يتعهد «الديمقراطيون» على رغم ذلك بمواصلة العمل من أجل التوصل إلى حل الدولتين في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، على أن يتم التفاوض عليه مباشرة من قبل الطرفين، بما يضمن مستقبل إسرائيل كدولة «يهودية ديمقراطية وآمنة»، مع الحدود المعترف بها، ويحقق للفلسطينيين «الاستقلال والسيادة والكرامة». وقد كتب «الجمهوريون» برنامجهم تحت تأثير الملياردير «شيلدون أديلسون» وتهديدات من متطرفي الإنجيليين اليمينيين. وبعد أن أشار دونالد ترامب في المراحل المبكرة إلى أنه سيلتزم «الحياد» ويعمل على كسب ثقة الإسرائيليين والفلسطينيين، من الواضح أنه قد تعرض للتخويف. فهو الآن يعتمد على مشورة نسيبه المتعصب الموالي لإسرائيل (الذي كتب خطاب ترامب أمام لجنة العلاقات الأميركية الإسرائيلية «آيباك»). وبتبنيه نهجاً مماثلاً لنهج نتنياهو بشأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، لن يفعل الحزب «الجمهوري» شيئاً سوى تسريع الانجراف اليميني الخطير في إسرائيل، ويعزز موقف المتطرفين الإسرائيليين، الذين سيشعرون بأنهم لن يخسروا شيئاً، والمتطرفين الفلسطينيين الذين سيشعرون بأنه لا شيء لديهم هم أيضاً ليخسروه! وفي هذه الأثناء، تأثرت أيضاً لغة «الديمقراطيين» بأحد المليارديرات النافذين في الحزب هو «حاييم سابان»، الخصم الشرس لحركة «المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات»، والذي حصل على تعهد خطي مناهض للحركة من هيلاري كلينتون. وحاد «الديمقراطيون» بسبب خوفهم الخاطئ من «خسارة الأصوات». ويدّعي برنامج «الديمقراطيين» الرغبة في حل الدولتين ويؤيد «الاستقلال والسيادة والكرامة» للفلسطينيين. وهذا الطموح محمود، ولكن عندما يرفضون وصف الهيمنة الإسرائيلية على الفلسطينيين بأنها احتلال، ويرفضون الدعوة إلى إنهاء الاستيطان، فإنهم بذلك لا يتركون أي أمل أمام الفلسطينيين في التحرك من أجل تحقيق تطلعاتهم. وبيت القصيد أن كلا البرنامجين ينطويان على سياسات سيئة. وإذا تم تطبيق «البرنامج الجمهوري»، فإنه سيتمخض عن كارثة، ليست فقط للفلسطينيين وللمصالح الأميركية في الشرق الأوسط ولكن أيضاً لإسرائيل. وأما إذا تم تطبيق «البرنامج الديمقراطي» فإنه سيؤدي إلى استمرار القمع والعنف بصورة خطيرة ويائسة في المنطقة. وإذا كان البرنامجان سيئين، فكذلك الحسابات السياسية أيضاً التي أدت إلى تلك الصياغة، وخصوصاً بالنسبة لـ«الديمقراطيين»، ولاسيما أن «الخوف السياسي» الذي يدفع «الحزب الديمقراطي» إلى التغاضي عن انتقاد السياسات الإسرائيلية يتجاهل التحولات الواقعية التي حدثت في مواقف الناخبين. وتظهر استطلاعات الرأي أنه على رغم حقيقة احتفاظ إسرائيل بمعدلات تأييد أعلى على حساب الفلسطينيين، إلا أن الناخبين الأميركيين يعتقدون أيضاً أن الإسرائيليين والفلسطينيين يستحقون حقوقاً متساوية.