كثيرون مع الأمر على أنه مزحة. ومنذ ذلك الحين لم يفعل ترامب أو يقل شيئاً، يجعل رأي الناس فيه أفضل. بل إن العكس تماماً هو الذي حدث: فجهله السياسي أصبح أكثر لفتاً للأنظار، ومواقفه باتت أكثر تطرفاً، وعيوبه الشخصية أكثر وضوحاً، كما أظهر مستوى من الاحتقار للحقيقة، غير مسبوق في التاريخ السياسي الأميركي. ومع أن معظم استطلاعات الرأي، تشير إلى أن ترامب يتخلف في السباق الانتخابي، إلا أن الهامش بينه وبينهم ليس كبيراً، ما يعني أنه ما زالت هناك فرصة حقيقية أمامه للفوز. كيف ذلك؟ جزء من الإجابة على هذا السؤال، من وجهة نظري، يكمن في حقيقة أن الناخبين لا يدركون تماماً، مدى بشاعة هذا الرجل. والسبب هو أن معظم وسائل الإعلام، ما زالت غير قادرة على التخلي عن نزعتها المرضية نحو ما يمكننا أن نطلق عليه «محاولة إثبات تكافؤ الطرفين»، أي السعي دوماً لإظهار أن السياسيين المشاركين في الحملة الانتخابية -وبرامجهم- إما متساوون في الجودة، أو متساوون في الرداءة، بصرف النظر عما قد يثيره هذا الموقف، من سخرية لدى المتابعين. ومن باب الإنصاف القول، إن هذه الظاهرة ليست جديدة تماماً، بل لها سوابق في الانتخابات الرئاسية الأميركية، وخصوصاً انتخابات 2000 حيث كانت وسائل الإعلام تفعل الشيء نفسه تقريباً، مع المرشحين جورج دبليو بوش، وآل جور. وترامب بعيد كل البعد، من أن يكون الشخصية السياسية الوحيدة الحالية التي تستفيد من التصميم على إيجاد توازن، حيث لا يوجد توازن. فـ«بول رايان»، رئيس مجلس النواب، مشهور بأنه سياسي مدقق، ملتزم بقواعد المسؤولية المالية، غير المفهومة تماماً، إذا ما نظرت إلى الوثائق السياسية المُعدّة على عجل، وغير الأمينة من حيث الجوهر، التي يقدمها بالفعل. ولكن مقتضيات التوازن، تتطلب أن يكون هناك شخص ما في الجانب الجمهوري، يمكن إظهاره في صورة الخبير المالي الجاد والنزيه، وهو دور يمكن الزج بـ«رايان» فيه، بصرف النظر عن كونه رجلاً مخادعاً في الواقع أم لا. ولكن الحقيقة المؤكدة هي أن هناك الكثير من المخادعين في الحياة الواقعية. قد يتبادر إلى أذهانكم أن ترامب الذي يكذب كثيراً إلى درجة أن المدققين على الحقائق باتوا غير قادرين على ملاحقة وتيرة أكاذيبه، والذي يواصل تكرار الادعاءات الزائفة حتى بعد أن يتبين أنها خطأ، ويقرن ذلك كله بنوع من «البلطجة» الموجهة جزئياً إلى الصحافة، قد تجاوز الحدود كافة، وبات من الصعوبة بمكان، حتى بالنسبة لعبدة التوازنات، إيجاد الأعذار له. ولكنكم ستكونون على خطأ إذا اعتقدتم ذلك. فواجب الإنصاف يستدعي مني القول هنا، إن بعض المخبرين الصحفيين والمؤسسات الإخبارية، تحاول الإشارة إلى أن تصريحات ترامب زائفة. ولكنها في الأغلب الأعم، ما زالت تحاول المحافظة على التوازن المنشود، من خلال تخصيص وقت بث متساوٍ، وكما يلاحظ القراء والمشاهدون، تخصيص اهتمام متساوٍ أو اهتمام أكبر في الحقيقة لشجب تصريحات هيلاري كلينتون الخاطئة الأقل أهمية بكثير من تصريحات ترامب المماثلة. والحقيقة، أن المسوحات التي أجريت، تبين أن هيلاري، وبشكل عام، قد تلقت تغطية إخبارية، أكثر سوءاً بكثير من خصمها. وفي الأيام القليلة الماضية، شاهدنا بياناً عملياً لافتاً، لنزعة إظهار تكافؤ الطرفين، في صورة مقالة رأي من رؤساء اتحاد مراسلي البيت الأبيض السابقين واللاحقين، عنوانها: «ترامب، وكلينتون.. الاثنان يهددان حرية الصحافة». كيف ذلك؟ حسناً، نحن نعرف أن ترامب قد حظر بشكل انتقائي المؤسسات الإخبارية، التي يعتبرها معادية، كما هاجم تلك المؤسسات والمخبرين الصحفيين، ورفض إدانة أنصاره الذين قاموا على سبيل المثال بمضايقة هؤلاء المخبرين، بتوجيه إهانات معادية للسامية لهم. كما نعرف في الآن ذاته، أنه في حين أن هيلاري لم تفعل شيئاً من تلك الأشياء، وأن أفراد الطاقم المعاون لها يستجيبون على الفور للأسئلة المتعلقة بكشف الحقائق، فإنها، على رغم ذلك، لا تحب عقد مؤتمرات صحفية. فهل هذا هو المقصود بالتكافؤ! ونتيجة لتأثرهم بالانتقادات اللاذعة التي وجهت إليهم، أصدر كاتبو مقالة الرأي المشار إليها بياناً ينكر كونهم قد انخرطوا في محاولة إثبات «تكافؤ زائف»، ورفضوا مرة أخرى تحديد أي من المرشحين الاثنين يتصرف على نحو أسوأ من الآخر. وكما قلت من قبل، فإن نزعة إثبات تكافؤ الجانبين ليست بالجديدة، وكانت دوماً نوعاً من التهرب من المسؤولية. ولكن اتخاذ موقف يقول إن الطرفين «يفعلان ذلك الآن» (أي يتلقيان تغطية متكافئة) -في مواجهة هذه الحملة وهذا المرشح- يمثل من وجهة نظري تصرفاً دالاً على درجة مذهلة من عدم المسؤولية. ------------- كاتب أميركي حاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»