الهجمات الإرهابية في أجزاء مختلفة من العالم من تركيا في غرب آسيا والمملكة العربية السعودية والعراق في العالم العربي إلى بنجلادش في جنوب آسيا قرب نهاية شهر رمضان تحمل دلالات كثيرة بشأن العقلية الإجرامية لإرهابي «داعش». والهجمات الانتحارية في السعودية استهدفت مواقع ذات أهمية دينية وتاريخية وسياسية في شهر الصوم والصلاة لتحظى بأكبر قدر من التركيز الإعلامي. وفي وقت سابق، شن هؤلاء المجرمون هجمات بالأسلحة والقنابل على مطار أتاتورك في اسطنبول للانتقام من الحملة الأمنية المشددة للحكومة التركية على الخلايا المتشددة. وفي وقت لاحق هاجم سبعة مسلحين أعلنوا أنهم من مقاتلي «داعش» مطعماً في العاصمة البنجلاديشية دكا، وهاجموا جمعاً قوامه 300 ألف شخص يؤدون صلاة عيد الفطر، مما يؤكد أن «داعش» الموجود بالفعل في باكستان لديه قواعد يعتمد عليها في شن هجمات على الهند. وقبل هذه الهجمات القاتلة التي قتل فيها أكثر من 300 شخص، شهد العام الماضي أعمال عنف على نطاق جغرافي واسع. وتضمن هذا هجوماً على سيّاح في تونس وإسقاط طائرة تقل ركاباً روس مدنيين فوق شبه جزيرة سيناء وهجمات باريس وبروكسل. ووقعت هذه الهجمات بعد أن خسر «داعش» مناطق نفوذ كبيرة وعان شحاً في الأموال والأنفس. ففي العراق خسر بالفعل 45 في المئة من الأراضي التي كانت يسيطر عليها ذات يوم، وخسرت عائداتها من مبيعات النفط التي انخفضت من 45 إلى 16 مليون دولار في الشهر ودخله الرئيسي حالياً يستمده من فرض الإتاوات والأنشطة الإجرامية مثل الفديات التي يأخذها مقابل عمليات الخطف. وكان لدى «داعش» في قمة ازدهاره العام الماضي ما يقرب من 100 ألف مقاتل قُتل منهم بالفعل نحو 25 ألفاً. وعمليات التجنيد الجديدة أصبحت صعبة بسبب عمليات السيطرة المشددة على الحدود على الجانب التركي لوقف تسلل المتشددين إلى سوريا. ومنذ فقدانه السيطرة على قلب المناطق التي كان يسيطر عليها، يحاول «داعش» التوسع في المناطق المجاورة ومناطق بعيدة أخرى بتنفيذ أعمال عنف قاتلة ضد أهداف ينتقيها. ويتمتع «داعش» بولاء جماعات تابعة تصف نفسها بأنها «جهادية» في غرب وجنوب آسيا وأفريقيا مثل «أنصار الشريعة» في ليبيا و«أنصار بيت المقدس» في سيناء والجماعات المنبثقة عن «طالبان» مثل حركة «طالبان» الباكستانية، وفي الآونة الأخيرة جماعة المجاهدين في بنجلادش. وفي جنوب آسيا يقع الباكستانيون تحت رحمة الإرهابيين منذ أكثر من 30 عاماً. وشهدت بنجلاديش أيضاً نشاطاً متصاعداً لأشخاص يعلنون أنهم «جهاديون»، وكان حضورهم ضعيفاً نسبياً حتى الهجوم المروع على مخبز في دكا ثم الهجوم على 300 ألف مصل. وبعد الهجوم، نشر «داعش» صوراً للجناة الشبان مدججين بالسلاح، وتكتسي وجوههم بابتسامة عريضة أمام العلم الأسود للجماعة «الجهادية» العابرة للدول. ومازالت حكومة رئيسة الوزراء البنجلادشية الشيخة حسينة تصر على أن ليس لـ«داعش» أو «القاعدة» موطئ قدم في بنجلاديش، وتتهم الجماعات الإسلامية المحلية التي تدعم حزب المعارضة البنجلادشي الرئيسي بالضلوع في الهجمات. وهذا الزعم أكد عليه وزير الداخلية البنجلاديشي أسد الزمان خان بعد فترة قصيرة من وقوع الهجمات. لكن منتقدين يرون أن الشيخة حسينة تركز على خصومها السياسيين بينما تغفل الاستقطاب السياسي والاجتماعي المثير للقلق في البلاد. وينصحون بأنه يتعين على بنجلاديش الاعتراف بتورط شبكات إسلامية دولية بالفعل في قتل أشخاص في البلاد. ويتعين على الحكومة أن تكف عن دفن رأسها في الرمال متجاهلة أدلة مفحمة وناصعة عن الروابط العابرة للدول بالجماعات والعمليات الإرهابية المحلية. وأعلن شخص يلقب نفسه باسم أمير ولاية البنغال التابعة لـ«داعش»، ويُكنى باسم الشيخ «أبو إبراهيم الحنيف» من قواعده في بنجلاديش وباكستان أن «داعش» سيشن الآن هجمات في الهند. وإعلانه مثير للقلق بشكل كبير ويثير قلقاً ليس وكالات الحكومة فحسب بل أيضاً يثير قلق المسلمين الهنود وقياداتهم الذين من السهل استهدافهم. وعلى مدار العقود الثلاثة الماضية، لم يبد المسلمون الهنود أي اهتمام بالمشاركة فيما يطلق عليه «الجهاد العالمي». فحين كان آلاف المسلمين من أنحاء العالم يتدفقون للانضمام إلى «القاعدة» في الثمانينيات والتسعينيات، لم يغر هذا الهنود بالانضمام. وحين اجتذب «داعش» آلاف الشبان من العالم بعد النجاحات الكبيرة التي حققها في العراق وسوريا وإعلان الخلافة قبل عامين لم يحرك هذا شيئاً في المسلمين الهنود. ورغم أن هناك تقارير تشير إلى أن هناك بضعة هنود يعملون ويعيشون في الخارج قد ذهبوا إلى سوريا للانضمام إلى «داعش» وماتوا هناك، لكن التقارير مازالت غير مؤكدة حتى الآن. ولا شك في أن الهجمات الانتحارية في الأسبوع الأخير من رمضان الذي أنزل فيه القرآن تبين الوجه الحقيقي للإرهابيين الذين ما هم إلا مجرمين لا حرمة لدين أو لبشر عندهم. *رئيس مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي