هنالك نصوص دينية كثيرة تفيد أن التوازن قانون وجودي ويدخل فيه التدين، بل إن ديننا الحنيف حث على الوسطية، والاعتدال دون إفراط أو تفريط. وبدون دين الإنسان وحش كاسر. وهو مع التدين المغلوط وحش مرعب. وما بينهما كان قواماً، وتقول الفلسفة إن جماع الأخلاق ثلاثة، العفة والشجاعة والحكمة، وكل ضلع في هذا المثلث يستقيم بتحقيق التوازن فيه، كما في التوسط مثلاً في الإنفاق بين الإسراف والتقتير، أو في الشجاعة بين التهور والجبن وهكذا. ومن محصلة الأخلاق الثلاثة ينشأ العدل وعليه قام الكون. وبجملة مختصرة مفيدة علينا أن نفهم أن من وظائف الدين، أي دين، أو حتى مذهب أو فلسفة، هي ثلاث: تركيب البوصلة الأخلاقية عند الفرد، وتحقيق مجتمع العدل، وبناء السلام بين الأنام وليس الحرب والاقتتال. وقد نشرت أنا مقالة عن طريقة جديدة في علم الحديث لا تقتصر على علم الرواية وحده ولكن على الاستفادة أيضاً من فقه الدراية، وهي مصطلحات قديمة دشنها علماء الحديث قديماً، وقصدوا بها النقل الصحيح للحديث ثم معقوليته. وحين فقد العالم الإسلامي الرشد، وأقفل باب الاجتهاد، وأرسل العقل في إجازة مفتوحة، تراجعت الحضارة الإسلامية، كما أعلن ذلك ابن خلدون في «المقدمة»، ومع موت العقل سيطر التكرار والاجترار وحده، وقامت منظومة ثقافية شمولية، هي من نتاج تلك الثقافة المحنطة الميتة. نعم نحن قوم خرجنا أو كدنا نخرج عن خط الحضارة، وماتت مجتمعاتنا أو كادت تموت، وأصبحنا من دون مال ومصارف ومن كل تسعة قروش في الأرض ثمانية ونصف ينتجها جيب الغرب! من دون قوة. من دون جامعات تبني مراكز البحث العلمي. وفي بعض الحالات حتى من دون نظم ذات شرعية، وإنما من نموذج نظام الأسد، وعقلية «أحكمكم أو أقتلكم» و«الأسد أو نحرق البلد»! بالطبع هذه الصورة الصارخة هي نموذج مكرر في العديد من مناطق العالم الإسلامي، أو لنقل بكلمة أدق العالم العربي. وحين أكتب يرتعب أحياناً كثيرون وتأتيني تعليقات طبعاً بأن أفكاري ضلالات! خاصة من الاتجاهات الماضوية والمتعصبة، فنحن حالياً كأننا نسبح في قارة من الجهل والتعصب والاقتتال! لذا أقرأ بعض تلك التعليقات وأعفو عن المسيء لقناعتي بأنه يحتاج إعادة برمجة ثقافية، وساعات عمل لإدخال الأوكسجين إلى خلايا دماغه. وما أريد قوله هو أن فكراً ضاراً من هذا النوع المتعصب يجب وضعه على التشريح وتحت المجهر لخطورته كما رأينا في التفجيرات والقتل في أكثر من مكان من داكا إلى أورلاندو مروراً بإسطنبول. وفي قناعتي العميقة أن الجامع والجامعة إن لم نحسن مواجهة تفشي ثقافة التطرف فيهما قد ينتج كل منهما فكر «داعش» وأمثالها، وإذا تم القضاء على «داعش» فقد يخرج من رحم طائر الفينيق ما هو أخطر وأفظع ما لم نصل إلى تغيير «الكود» الثقافي وحصر المجموعات السمية في إطارات محدودة ومراقبة، كما حصل مع فكر الخوارج قديماً الذي شكل تحدياً في فترة معينة من تاريخ الإسلام. وكذلك الحال مع المجموعات الجديدة التي تجند من حواف العالم الإسلامي. ومثلًا فإن تفجيرات إسطنبول في آخر رمضان 1437هـ قيل عنها إن من منفذيها أناس من آسيا الوسطى وربما الشيشان! وهكذا فالتسلح الإسلامي «الجهادي» بدأ من أفغانستان، ثم امتد إلى البوسنة، وزحف إلى اليمن وليبيا، وضرب باريس وبروكسل وأميركا وفجر القطارات في مدريد، ونسف مركز السياح في بالي وولد من رحمه تشكيلات لا نهاية لها من الغلاة العنيفين مثل «بوكو حرام» في نيجيريا.