اندلاع حرب الأمومة بين المرشحتين لقيادة حزب المحافظين البريطاني، تطور جديد في الصراع على خلافة ديفيد كاميرون في رئاسة الحزب وقيادة الحكومة. وقد حدث ذلك عقب مقابلة نشرتها صحيفة «التايمز» مع وزيرة الطاقة الحالية أندريا ليدسوم، المصنفة ثانيةً في سباق رئاسة الوزراء البريطانية، عايرت فيها منافستها وزيرة الداخلية تيريزا ماي بأنها لم تنجب أبناء، ما يجعلها غير مؤهلة لقيادة البلاد نحو المستقبل. ورغم إنكار ليدسوم التفوه بمثل هذا التصريح، متهمةً «التايمز» بتلفيقه، فإن المقابلة جلبت تأييداً واسعاً لـ«ماي» التي تشير التوقعات لإمكانية فوزها برئاسة الحزب خلفاً لكاميرون الذي سيترك منصبه في أكتوبر المقبل. وتيريزا ماي سياسية بريطانية وعضو حزب المحافظين ووزيرة الداخلية في حكومة كاميرون وعضو في مجلس العموم (البرلمان) البريطاني عن دائرة ميدينهيد منذ عام 1997. وقد ولت تيريزا ماري ماي، وكان اسمها «برايزر»، عام 1956 في مدينة إيستبورن بمقاطعة شرق ساسكس على الساحل الجنوبي لإنجلترا. وبعد نيلها شهادة البكالوريوس من كلية سانت هيو بجامعة أكسفورد عام 1977، عملت موظفة حتى عام 1983 لدى بنك إنجلترا، ثم أصبحت مستشارة لدى جمعية خدمات الدفع المقاصة (APACS)، وهي جهاز يدير المدفوعات عن طريق بطاقة الائتمان، وذلك حتى دخولها البرلمان عام 1997. وبدأت ماي حياتها السياسية عام 1986 عندما انتُخبت عضواً في المجلس البلدي لدائرة ميرتون اللندنية. المنصب الذي تخلت عنه عام 1994 لدى ترشحها لانتخابات مجلس العموم في دائرة باركينج، لكنها خسرت المنافسة بنيلها نسبة 10? فقط مقابل 70? من الأصوات لمصلحة المرشح العمالي. بيد أنها انتُخبت أخيراً لعضوية مجلس العموم في عام 1997 عن دائرة ميدينهيد في مقاطعة بيركشاير. ثم أصبحت منذ 2002 عضواً في «مجلس بريفي المُكرَّم لدى جلالة الملكة» (حسب التسمية الرسميّة)، وهو هيئة رسميَّة من المستشارين، معظمهم من السياسيِّين المحنَّكين وأعضاء مجلس العموم أو مجلس اللوردات، وفي العام ذاته تم تعيينها أميناً عاماً لحزب المحافظين بقيادة إيان سميث، لتصبح أول امرأة تشغل هذا المنصب. لكنها تخلت عنه في العام التالي حين دخلت «حكومة الظل» التابعة للحزب بزعامة ويليام هيغ. وإثر عودة المحافظين إلى الحكم، بعد 13 عاماً من المعارضة، أصبحت ماي وزيرة للداخلية في أول حكومة بقيادة كاميرون في 12 مايو 2010. ورغم المصاعب التي واجهها الائتلاف الحكومي مع حزب الأحرار، فقد اتصفت سياسات تيريزا ماي على رأس الداخلية بالحزم والصرامة، خاصة حيال ظاهرتي الهجرة والجريمة، ما جعلها تبدو في صورة «مارجريت تاتشر الجديدة» كما وصفها أحد زملائها الوزراء. وقد لمع نجمها في السياسة البريطانية خلال عام 2013 حين حققت ما عجز عنه وزراء داخلية قبلها، وذلك في قضية ترحيل الإسلامي المتشدد أبو قتادة الفلسطيني وإبعاده إلى الأردن. وقبل ذلك أصدرت في 2012 أوامر بسحب الجنسية من رعايا بريطانيين معظمهم مسلمون، بينهم الصومالي مهدي حاشي الذي رفض تجنيده للعمل كمخبر لدى جهاز الأمن الداخلي البريطاني «إم آي 5»، فقررت ماي حرمانه من جواز سفره البريطاني ومن الحصول على المساعدة القنصلية، مستخدمة صلاحية لا تتطلب الحصول على أمر من المحكمة لتجريده من جميع حقوقه كمواطن بريطاني. لكن ماي دافعت عن الإسلام في خطاب ألقته ضمن مؤتمر حول الإرهاب الإسلامي ومخاطره، في سبتمبر 2014، واستشهدت بآيات من القرآن الكريم معطيةً الدليل على أن الإسلام ليس ديناً ينبذ الآخر، وهو أبعد من يكون عن الإرهاب والترهيب. ورغم مواقف حزبها حيال المثليين الجنسيين، لا تتردد ماي في الانحياز إلى جانب السماح بالزواج المثلي، رغبةً في إعطاء حزبها صورة أكثر سلاسة في أوساط الليبراليين. وأحياناً قد تعارض ماي موقف الحكومة، حتى خارج إطار اختصاصات منصبها، ومن ذلك مطالبتها بخروج بريطانيا من اتفاقية المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، رغم معارضة كاميرون علناً لمثل هذه الفكرة. ولماي أصلاً بعض المواقف المتشككة حيال الاتحاد الأوروبي، لكنها لم تسجل حضوراً يذكر على الساحة السياسية والإعلامية خلال حملات الاستفتاء حول عضوية بريطانيا في الاتحاد، وإن أيدت ضمناً دعوة كاميرون لمصلحة بقاء المملكة المتحدة في التكتل الأوروبي. وبعد انتصار خيار خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء، أعلنت تيريزا يوم 30 يونيو ترشحها لانتخابات قيادة حزب المحافظين كي تحل محل كاميرون الذي قرر الاستقالة من قيادة الحزب ورئاسة الحكومة عقب تصويت غالبية البريطانيين خلافاً لما دعا له. كما تقدم ثمانية مرشحين آخرين للتنافس على المنصب، وبعد ثلاث جولات من تصويت النواب المحافظين الـ329 في مجلس العموم، لم يبقَ في حلبة السباق سوى «ماي» و«ليدسوم»، وسيتم التصويت عليهما خلال المؤتمر السنوي العام للحزب في أكتوبر المقبل، ضمن اقتراع يشارك فيه كل أعضاء الحزب. وتحظى «ماي» بدعم قطاع عريض من المحافظين، وقد تعهدت بالعمل على توحيد دعاة البقاء في الاتحاد الأوروبي ودعاة الخروج منه داخل حزب المحافظين. ورغم دعمها حملة البقاء في التكتل الأوروبي، فقد قالت إن نتائج الاستفتاء يجب احترامها، وإنه لن تكون هناك محاولات للبقاء في الاتحاد أو الانضمام إليه من البوابة الخلفية، كما تعهدت بعدم تفعيل المادة 50 من اتفاقية لشبونة للبدء في مفاوضات خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي قبل نهاية 2016، وذلك لمنح الجميع فرصة الذهاب إلى المفاوضات استناداً إلى موقف واضح حول طريقة وشكل التفاوض. لكنها طالبت بضرورة تمكين الشركات البريطانية من الوصول إلى السوق الموحدة وفقاً لمبدأ حرية حركة الأشخاص والبضائع، مع القدرة على ضبط الحدود وتدفق المهاجرين من أوروبا إلى بريطانيا. ست سنوات أمضتها «ماي» على رأس الداخلية، لم تُفقدها أناقتها وحرصها على اختيار ملابسها بعناية، لتصبح أحد أطول الوزراء بقاءً في هذا المنصب خلال تاريخ بريطانيا المعاصر. وخلال هذه السنوات، كرست «ماي» صورتها، بمهارة كبيرة، باعتبارها سيدة اليمين النافذة والصارمة، مقابل الرجل الضعيف الساعي دائماً للحلول الوسط ولتجنب غضب الوسطيين. وقد قالت عقب انتهاء المنافسة على زعامة حزب المحافظين إلى سباق ثنائي بينها وبين ليدسوم: «إن السياسة تحتاج إلى بعض النساء صعبات المراس»، في إشارة إلى وصف وزير المالية الأسبق كين كلارك لها قائلا إنه عمل مع مارغريت تاتشر، لكن «تيريزا هذه امرأة صعبة إلى حد اللعنة». إنها صورة الشخصية القوية في السياسة البريطانية، والتي قد تساعد ماي في الوفاء بثلاثة تعهدات قطعتها على نفسها: عدم إجراء انتخابات عامة قبل 2020، الامتناع عن اللجوء إلى موازنة طارئة لتغطية نفقات وخسائر قد تترتب على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأخيراً العمل على إنفاذ سياسة فعالة لتحديث حزب المحافظين. وهي تعهدات ستمثل محاولة الوفاء بها تحدياً لن يُبقي لـ«ماي» وزوجها «فيليب ماي»، وقتاً للمجادلة حول تأثير الافتقار إلى أطفال في الأداء العام للنساء على رأس الأحزاب السياسية والحكومات والدول! محمد ولد المنى