ألقى دونالد ترامب خطاباً حول الاقتصاد الأسبوع الماضي. واللافت فيه أن كل تأكيداته تقريباً كانت مجانبة للحقيقة، ولكنني لن أقوم هنا بعملية نقد لما ورد في خطابه نقطة نقطة، وسأكتفي بدلاً من ذلك بالحديث عن الفكرة العامة، أي: ادعاء المرشح الوقوف إلى جانب العمال الأميركيين. بالطبع ذاك هو ما يقولونه جميعهم؛ ولكن مخطط ترامب الاقتصادي يتعدى التأكيدات «الجمهورية» المعتادة من أن خفض الضرائب على الشركات والأغنياء، وإنهاء قوانين حماية البيئة المفروضة على الشركات، وغير ذلك سينشّط سوق العمل وسيسبغ على الجميع الرخاء والازدهار. كما أنه يقوم أيضاً على موقف شعبوي يدّعي أن التشدد مع الأجانب وإلغاء اتفاقياتنا التجارية سيعيدان الوظائف عالية الأجور التي فقدتها أميركا. «لورانس ميشل»، رئيس معهد السياسة الاقتصادية، وهو مركز بحوث يميل إلى اليسار ولطالما اشتهر بانتقاده للعولمة، ردّ على نحو قوي على ما سماه «احتيالات ترامب المتعلقة بالتجارة». فهو يرى أنه حتى إذا كنت تعتقد، مثلما يفعل، أن الاتفاقيات التجارية تضر بالعمال الأميركيين، فإنها ليست سوى جزء من مجموعة أكبر بكثير من السياسات المعادية لمصالح العمال. والأكيد أن دونالد ترامب مخطئ تماماً حول كل الأشياء الأخرى. فبخصوص العولمة، لا شك أن ارتفاع الواردات، لا سيما من الصين، أدى إلى تقليص عدد وظائف التصنيع في أميركا؛ حيث تشير إحدى الدراسات الشهيرة إلى أن صعود الصين قلّص الوظائف في قطاع التصنيع الأميركي بنحو 1 مليون بين 1999 و2011. كما أن حساباتي التقريبية تشير إلى أن إزالة العجز التجاري الأميركي في السلع المصنعة سيضيف نحو مليوني وظيفة صناعية. ولكن أميركا بلد شاسع، وإجمالي الوظائف فيه يتجاوز 140 مليون وظيفة، ثم إن إعادة مليوني عامل إلى التصنيع من شأنه أن يرفع نصيب هذا القطاع من التوظيف من نحو 10? إلى 11.5? فقط. ولتوضيح الصورة أكثر، نشير على سبيل المقارنة إلى أنه في 1979 شكّل قطاع التصنيع أكثر من 20? من الوظائف، وفي الستينيات كانت النسبة تفوق 25?. وشخصياً، لا أعرف أي فترة بالضبط يعتقد «ترامب» أن أميركا كانت فيها عظيمة (شعار الرجل هو: لنجعل أميركا عظيمة من جديد)، ولكن مخططه الاقتصادي لن ينجح في إعادة الأيام السالفة. وعلى كل حال، فإن انخفاض وظائف التصنيع ليس سوى عامل واحد في تراجع الطبقة المتوسطة. فمثلما يقول «ميشل»، هناك «الكثير من السياسات المقصودة الأخرى التي تخفّض الأجور في وقت ترتفع فيه المداخل الأعلى، ومن ذلك مثلاً: استهداف النقابات بالانتقاد اللاذع وتشويه صورتها، والفشل في رفع الحد الأدنى للأجور مع التضخم، والتقشف، وتخفيف القيود المالية، والهوس بخفض الضرائب. وترامب من المؤمنين بالأيديولوجيا التي تقف وراء هذه السياسات المدمِّرة للأجور. والواقع أنه حتى في الوقت الذي كان يحاول أن يظهر فيه بمظهر الشعبوي، كرّر«ترامب» الأفكار الخاطئة نفسها التي تُستعمل عادة لتبرير السياسات المعادية لمصالح العمال فقال، مثلاً «إننا واحدة من الدول التي توجد فيها أعلى ضرائب في العالم». والحال أننا في المرتبة الـ31، من بين 34 بلداً متقدماً. كما قال إن الأنظمة والقوانين تمثل «عائقاً أكبر لتنافسيتنا من الضرائب»؛ والحال أننا أقل تقنيناً من ألمانيا، مثلاً، التي تسجل فائضاً ضخماً في التجارة. ومثلما كتب «ميشل»، فإنه «إذا كان (ترامب) جد حريص على مساعدة الأميركيين العاملين، فلماذا لا يحوّل النقاش إلى أجندة الشركات التقليدية المتمثلة في خفض ضرائب الشركات والأغنياء؟». أعتقد أننا نعرف السبب. ولكن بغض النظر عن دوافع ترامب، فإن المهم هو أن لا يخطئ الناخبون ويخلطوا بين الكلام الحازم والصارم والأجندة المؤيدة لمصالح العمال. بيد أنه مهما فعلنا بخصوص التجارة، فإن أميركا ستظل اقتصاد خدمات بشكل رئيسي في المستقبل القريب. وإذا كنا نريد أن نكون دولة طبقة متوسطة، فإننا في حاجة إلى سياسات تمنح عمال قطاع الخدمات أساسيات حياة الطبقة المتوسطة. وهذا يعني رعاية صحية مضمونة -برنامج «أوباما كير» أعطى ضماناً صحياً لـ20 مليون أميركي، ولكن الجمهوريين يريدون إلغاءه وسحب برنامج «ميديكير» أيضاً من ملايين الأميركيين الآخرين. ويعني أيضاً حق العمال في تنظيم أنفسهم والمساومة على أجور أفضل- وهو ما يعارضه كل «الجمهوريين». *كاتب أميركي حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»