هجوم إرهابي مروع على مطار أتاتورك بإسطنبول مساء يوم الثلاثاء الماضي يترك خلفه 42 قتيلاً ويشكك في الأمن التركي، ويضع علامات استفهام كبرى حول الأمن والأمان في تركيا، ويضع الحكومة التركية على المحك بعد أن انخرطت البلاد في دوامة من التوتر الشديد والأزمات الأمنية المتداخلة، ولا شك أن الهجوم الإرهابي غير مستغرب على إسطنبول وهي معرضة للهجمات الإرهابية الانتقامية لأكثر من أي مكان في العالم خارج مناطق الصراع المسلح المباشر كما هو الحال في سوريا والعراق واليمن وليبيا، ونحن نقف مع الأشقاء الأتراك في هذه المحنة الشديدة وندين تلك الأعمال الإجرامية البربرية، ونسأل أنفسنا لماذا تركيا؟ ويقول منتقدو أردوغان إنه يحاول تحويل الحكومة التركية من نظام برلماني إلى نظام رئاسي، بل يتحول هو إلى السطان أردوغان الأول، وهل قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتقديم الدعم للمسلحين وللجماعات المسلحة، لتعزيز وجودهم في سوريا، ثم انقلب السحر على الساحر؟ الفكر المنظم الذي يخطط لتركيا الخلافة أولاً وأخيراً فوق الجميع، هو نفسه الذي جعل من تركيا عضواً في حلف شمال الأطلسي، ويطمح إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. تركيا عملت جاهدة لعزل نفسها عن المذبحة في سوريا المجاورة لسنوات حتى خضعت مؤخراً لضغط الدائرة التي أصبحت من ضمنها لضمان مصالحها. تقسيم تركيا وإضعافها كدولة هدف محوري للقوى العظمى والدول الأوروبية الكبرى. ومن نسي التاريخ، ومن سيسمح بأمة مسلمة قوية على أبوابه ويجعل إسرائيل محاصرة في الوسط تحت رحمة قطبي العالم الإسلامي الأقوى حسابياً؟ فبالأمس كانت تركيا معبراً للمقاتلين الأجانب إلى سوريا والعراق والعكس صحيح وما دام الخراب بعيداً عن الديار، ولنا مصلحة في إخماد تهديده على الحدود له تبعات كبرى في الداخل، فلتحترق الأرض بمن فيها ولكن النار عندما تشتعل في غابة تجاورها غابة أخرى تشتعل الغابتان معاً، وهو مدخل التدخل المباشر لتركيا في سوريا لتلقين «داعش» درساً يبقى في الذاكرة، وبالتالي ترجيح كفة جهة على الأخرى وفق المخطط الأكبر لمن سيحكم في سوريا؟ وقد أخذت تركيا على عاتقها، وبحكم القرب الجغرافي ومتاخمتها لسوريا، مسؤولية جبرية فرضتها ظروف الحرب واستضافت ما يقارب من ثلاثة ملايين لاجئ سوري. ومن جهة أخرى هي تحت ضغط شديد من أوروبا لوقف تدفق المهاجرين والمجاهدين، ومزيد من الضغوط من الولايات المتحدة لمحاربة «داعش» وفي الوقت نفسه، انهار اتفاق السلام مع الانفصاليين الأكراد في الصيف الماضي، ما يعني إهمال صنع السلام مع جماعات مثل حزب «العمال الكردستاني» باعتباره تهديداً وجودياً لتركيا في ظل عدم الاتفاق والتسوية السلمية بين الطرفين، والنتيجة هي تحمل مسؤولية أربعة من ثمانية هجمات إرهابية في المدن الكبرى في غرب تركيا منذ يوليو من عام 2015، وتكمن المعضلة في أن أكراد سوريا هم أفضل حلفاء الولايات المتحدة في الحرب ضد «داعش» وهم القوات البرية التي بدونها لا يتحقق تقدم ملموس ميدانياً، وفي المقابل هم يمثلون مشكلة للجانب التركي من ناحية الشمال السوري كونهم أشقاء منظمة حزب «العمال الكردستاني»، وعدو الأول هو عدو الثاني والعكس صحيح. فهل تجني تركيا ثمار موقفها المؤيد للغرب وانطلاق معظم الطائرات الأميركية وغيرها التي تقصف داعش من القواعد العسكرية التركية بجانب التشدد الكردي واللعب بلعبة القضية الكردية والعزف على سيمفونية الأمن القومي لترسيخ وجود عدو دائم يجب مواجهته، مما يعزز فرص بقاء أقطاب الحكومة الحالية والحلقات المحيطة بها والتحزب الذي يحمل هويات خاصة تحت الهوية التركية الأم، مما يهدد وحدة ومستقبل تركيا كعملاق قادم يزاحم كبار العالم؟ ما فعله الإرهاب بصناعة السياحة في تركيا، والتي تمثل 12 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي هو مؤشر خطير لما هو قادم، ولذلك ستضطر تركيا إلى القبول بنظام بشار الأسد في سوريا، وستضطر إلى عقد اتفاق سلام مع حزب «العمال الكردستاني»، والتعاون مع إسرائيل بطريقة غير مسبوقة، والتصالح مع الروس وتعويضهم، وعقد صفقة مع إيران لتقاسم النفوذ الإسلامي دون الإضرار بالتقارب مع المملكة العربية السعودية. وستتكون جبهة جديدة فرّقتها الصراعات المختلفة، وجمعتها المصلحة العليا لتلك الدول ومن يقع خارج هذه الدائرة بصورة كلية هو الخاسر الأكبر في حسبة الحرب والسلام والهيمنة في الشرق الأوسط.