لن تقف تداعيات الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي عند حدود الطرفين المباشرين لهذا الحدث الفارق، وإنما من المؤكد أنها ستمتد بطول الساحة الدولية، وقد بدأت بالفعل مؤشرات على تداعيات اقتصادية مهمة محتملة، ولكنه ليس بمقدوري بحكم التخصص أن أتناولها، وإنما أنوي طرح بعض الأفكار المتعلقة بالتداعيات السياسية الدولية للحدث، وأبدأ بالتذكير بأن النصف الثاني من القرن العشرين قد شهد اتجاهاً واضحاً إلى تكوين تكتلات دولية عملاقة كان الاتحاد الأوروبي أبرز مثال عليها، وأصبح هذا الاتحاد نموذجاً يُحتذى لعمليات التكامل الإقليمي الناجحة وخاصة في وطننا العربي الذي أخفقت محاولاته المتكررة للتكامل على رغم ما تتميز به الأمة العربية من رابطة قومية لا تتمتع بها أوروبا، وتبلورت دراسات أكاديمية دولية وعربية تحلل خبرة هذه التجربة التكاملية الرائدة التي واجهت عقبات حقيقية استطاعت دوماً التغلب عليها بفضل الدرجة العالية من الديموقراطية والمؤسسية التي تميزت بها الدول المشاركة في التجربة، ولذلك فإن الخروج البريطاني من الاتحاد ليس بالأمر الهين لأنه يمكن أن يكون بداية لانحسار قد تترتب عليه تحولات دولية أساسية سوف تتضافر مع اتجاهات أخرى برزت في الساحة الدولية مع تفكك الاتحاد السوفييتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي. كان الاتحاد السوفييتي واحداً من الكيانات العملاقة على مستوى الدول، وهو في جوهره تجربة تكاملية وإن افتقدت الأساس الديموقراطي الذي تميزت به تجربة التكامل الأوروبي، وعندما انفرط عقده، فإن ذلك قد تم على نحو أساسي وفقاً لاعتبارات قومية وتحول هذا الكيان العملاق إلى خمس عشرة دولة، والأكثر من هذا أن دول المجموعة الاشتراكية في أوروبا الشرقية قد بدأ بعضها يشهد الظاهرة نفسها على رغم صغرها النسبي ففقدت كل من تشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا وحدتهما الإقليمية استناداً لاعتبارات قومية أيضاً، بل إن دولاً ديموقراطية ككندا وبريطانيا أفلتت بصعوبة من احتمالات بداية التفكك وكانت الديموقراطية هي آلية هذا الإفلات إذ لم يتمكن دعاة الانفصال في كل من كويبيك واسكتلندا من الحصول على أغلبية تمكنهم من تحقيق طموحاتهم، ولكن الأمر قد يختلف الآن فقد زكى الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي من جديد نزعة الانفصال لدى اسكتلندا بعد أن عززت اعتبارات المصلحة الاقتصادية النزوع القومي للاسكتلنديين من جديد، وقد يمتد الاتجاه إلى أيرلندا الشمالية ذات الميراث القلق في إطار المملكة المتحدة. وقد تفشل الديموقراطية هذه المرة في أن تحمي كيان الدولة لأن المصالح الاقتصادية دخلت المعادلة، وعلينا الآن أن نراجع بالاهتمام الواجب حالات مشابهة في دول أوروبية عريقة أخرى مثل إسبانيا. ولا يعني ما سبق أننا في الطريق إلى نهاية الكيانات العملاقة، فما زالت الولايات المتحدة تقدم نموذجاً للانصهار الديموقراطي على رغم المشكلات التي تواجهها هذه العملية، وما زالت التجربة الصينية، تتقدم بل إن روسيا تستعيد بثبات مكانتها العالمية التي فقدتها بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، كما أنه ليس بمقدورنا أن نزعم أن عصر التكامل قد انتهى، أولاً لأن الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي قد يمثل الصدمة التي تدفع إلى إصلاح يفضي إلى تقوية الاتحاد واستمرار تقدمه، كما أن المصاعب المتوقع أن تواجه بريطانيا بعد الخروج قد تفضي إلى تردد أي دولة تفكر في أن تحذو حذوها بشأن أي قرار يؤدي إلى فك الارتباط مع أوروبا. وكذلك فإن العالم ما زال يعرف تكتلات عديدة، وبالذات في المجال الاقتصادي سواء على أسس جغرافية أو وظيفية، وإن كان الاتحاد الأوروبي يبقى أهمها بما لا يقارن بغيره، ومع ذلك فإن التوابع الدولية للزلزال البريطاني تبقى بحاجة لإمعان النظر حتى وإن كانت مجرد احتمالات، وبالنسبة لنا في الوطن العربي لا شك أن هذه التوابع تستحق التفاتاً منا. صحيح أننا أدرنا ظهورنا منذ مدة لحلم الوحدة القومية، وبالتالي فإن البعض قد يجد في الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي فرصة لأن يقول: ألم نقل لكم؟ ما زالت السيادة الوطنية هي أساس النظام الدولي، ومع ذلك فإن المشاهد المحتملة لمزيد من تفتت الكيانات السياسية تعنينا دون شك وخاصة في مرحلة تشهد مخاطر حقيقية لتفكك أكثر من دولة عربية وفقاً لأسس عرقية أو إثنية.