تسببت الملاحظات الأخيرة، التي أدلى بها دونالد ترامب، المرشح الجمهوري المفترض لانتخابات الرئاسة الأميركية القادمة، في إعادة موضوع الدَّين الحكومي الفيدرالي البالغ 18 تريليون دولار، إلى دائرة الضوء مجدداً. ويأتي الاهتمام المتجدد بهذا الموضوع، عقب فترة انخفض خلالها عجز الميزانية بشكل جوهري، وهو ما يتناقض مع المزاعم التي رددها البعض بأن البلاد تتجه بسرعة نحو «هرمجدون» أو كارثة دين محققة. وفيما يلي خمس حقائق أساسية، يتعين تذكرها عند تقييم ما يحتمل أن يصبح نقاشاً سياسياً محتدماً وعالي النبرة: الحقيقة الأولى أن هناك طرقاً عدة لتقليل عبء الدَّين: طريق النمو بخطى أسرع، لتوليد مصادر إضافية لخدمة الدَّين، مع المحافظة على مستويات المعيشة القائمة بل وتحسينها. وطريق تحصيل المزيد من العائدات الضريبية وتخصيصها لسداد الديون، وتخفيض الإنفاق الحكومي وتحويل الأموال المتوفرة من ذلك، لرفع مستوى خدمة الدَّين. وطريق الامتناع عن التزام شروط الدَّين التعاقدية. وطريق الهندسة المالية القائمة على انتهاز فرص «مراجحة معدلات الفائدة»، وإعادة شراء الديون بأسعار بخسة، وتحسين توليفة الأوراق المالية المصدرَة، وتوفير قدر أكبر من الكفاءة المالية. ويتعين القول مع ذلك، إن هناك حدوداً عملية لقدرة هذه المقاربات على تحقيق نتائج كبيرة في المدى القصير. أما سياسات التعديل المالي ذات الأهمية، سواء من خلال رفع معدلات الضرائب بشكل حاد للجميع، أو إجراء خفض هائل في النفقات، فتحمل في طياتها مخاطر تقويض النمو، وتجعل مهمة تحمل عبء الدَّين الشامل أكثر صعوبة على الدوام. علاوة على ، ليس من الميسور، توليد طفرة نمو فورية، وخصوصاً عندما يكون الاقتصاد العالمي في أوضاع يواجه فيها رياحاً هيكلية مناوئة. وإذا ما أخذنا في الاعتبار العلل الأخرى التي يبتلى بها الاقتصاد عادة في فترات ما بعد الركود، فسنجد من الصعب القول إن تحقيق تخفيض حاد في الدَّين القومي، يجب أن يكون أولوية فورية وقائمة بذاتها، وخصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار أن مثل هذا الهدف لا يندرج ضمن الأهداف الثلاثة الاقتصادية العاجلة، على أجندة الإدارة القادمة. على الرغم من أن مسار الدَّين، في المدى الأطول، يجب أن يظل تحت تدقيق صارم، وأن يخضع للاحتواء، إلا أنه ليس ثمة دليل على أن رصيد الدَّين الفيدرالي الحالي في أميركا، يمثل مشكلة كبيرة. فأكلاف الاقتراض منخفضة للغاية، كما أن لأميركا القدرة على الحصول على التمويل الكافي، خصوصاً أنها على النقيض من العديد من الدول الأخرى، لم يسبق في أي فترة من فترات تاريخها أن أصدرت سندات دَين مقومة بعملات أجنبية. إن التركيز على الدَّين، يجب ألا يصرف الانتباه عن الحاجة الملحة لزيادة الإنفاق على البنية التحتية، سواء من خلال المشاريع العامة، أو الشراكة بين القطاعين العام والخاص. والمكاسب المتوقعة جراء ذلك تفوق بكثير التكلفة المتزايدة لخدمة الدَّين، وخصوصاً مع معدلات الفائدة المنخفضة السائدة حالياً. ولا حاجة للقول إن قصور البنية التحتية، يحول دون زيادة الإنتاجية، ويقتطع من النمو الفعلي والمحتمل، كما يتسبب في صعوبات اجتماعية، في بعض الحالات. وأفضل طريقة للتعامل مع مشكلة الدَّين تكون من خلال إطلاق العنان لنمو أعلى معدلاً، وأكثر شمولاً، تقدر عليه الولايات المتحدة بالتأكيد، ومن خلال تعزيز إمكاناتها المستقبلية كذلك. ويشمل ذلك معالجة معوقات النمو البنيوية، ليس فقط من خلال سد فجوات البنية التحتية، وإنما من خلال تبني سياسات إصلاح ضريبي داعمة للنمو، وتحسين عملية إعادة تزويد سوق العمل بالمهارات والكفاءات اللازمة. وبدلًا من التركيز الدقيق على الدَّين الفيدرالي، الأجدى للمترشحين الرئاسيين قيادة سجال اقتصادي على المستوى القومي، يدور حول استراتيجية النمو الشاملة للبلاد، التي يفترض أن يكون الكونجرس منخرطاً في إنجازها الآن. وبخلاف ذلك، فإن الاستقطاب السياسي في الكونجرس «كابيتول هيل»، سيؤدي حتماً لمزيد من التقويض لأداء البلاد في مجال تحقيق النمو، كما سيؤدي إلى تآكل إمكاناتها المستقبلية، وتحويل الدَّين من مجرد مادة للمقاطع الصوتية لتصريحات السياسيين في أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة، إلى مشكلة عسيرة الحل أمام الأجيال القادمة. محمد العريان* * مستشار مجلس التنمية العالمي التابع للرئيس أوباما وكبير المستشارين الاقتصاديين لمؤسسة «أليانز» العالمية ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»