صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

حصاد الانكفاء الأميركي والعجز العربي

بعد أيام من مشاركة الرئيس أوباما في القمة الخليجية في الرياض حيث قدم مجدداً تطمينات بلا ضمانات، لم تنجح في تغيير المواقف من الولايات المتحدة، كان ملفتاً، مرة أخرى، أن يطلق السيناتور المخضرم «جون ماكين»، الناقد الأول لاستراتيجية السياسة الخارجية الأميركية، تصريحاً لاذعاً يتهم فيه إدارة أوباما، قائلاً إن «تقصيرنا في المنطقة العربية جعلها مليئة بأعداء الولايات المتحدة من إيران إلى القاعدة، والآن روسيا». وكان «ماكين» قد أطلق موقفاً قاسياً ضد إدارة أوباما في العام الماضي متهماً إياها بالتقصير في دعم الحلفاء، وجعلهم في حالة تساؤل دائم عن جدوى التحالف مع واشنطن، وهم يرون خصومهم يستغلون انكفاء وتراجع إدارة أوباما غير المطمئن. ووصف سياسة أوباما في الشرق الأوسط بـ«الحطام»! ومن خلال ذلك الحطام خرجت روسيا- بوتين لتصول وتجول في الشرق الأوسط. وتبدو مظاهر تلك السياسة الانكفائية الأميركية جلية في حالتي سوريا واليمن، والمفاوضات العبثية في جنيف والكويت وتعنت النظام في دمشق والانقلابيين في اليمن دون أن تبادر الأمم المتحدة والقوى الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، بإعلان الطرف المتعنت والرافض لتطبيق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ووضع المتجاوزين أمام مسؤولياتهم القانونية. كما تبدو نتائج الحصاد الأميركي الكارثي أيضاً في العراق الذي يغرق في صراع وشلل سياسي وأمني بين مكوناته. وقد أدى نائب الرئيس الأميركي «جو بايدن» زيارة مفاجئة للعراق في الأسبوع الماضي لإنقاذ ركام حصاد إدارة أوباما! حيث ترتكز استراتيجيتها في أشهرها الأخيرة على زيادة عديد القوات الأميركية في العراق وسوريا تدريجياً لتحرير الموصل، وتكثيف الضغط على تنظيم «داعش» بهدف هزيمته في مناطق نفوذه وخاصة الموصل قبل رحيل أوباما عن البيت الأبيض، مستعيناً في ذلك، على ما يبدو، بإيران وقوات الجيش العراقي، والبشمركة الكردية. ولكن الواقع أن مشكلة إدارة أوباما تبقى في عدم وجود شريك فعال على الأرض لمواجهة «داعش».

مرة أخرى نعود لنكتب عن الحالة العربية الصعبة، بالنظر إلى ما يجري في حلب من قتل ممنهج وخرق سافر للهدنة وعدم التزام بتطبيق قرار مجلس الأمن 2254 وارتكاب مجازر وحشية يندى لها الجبين، حيث قُتل في أسبوع واحد أكثر من 200 شخص في قصف مكثف وصل إلى 40 غارة في يوم واحد على أحياء سكنية في المدينة، بما في ذلك قصف مستشفى ومستوصف ومسجد وأسواق! وسط صمت المجتمع الدولي وعجز الأمم المتحدة والقوى الإقليمية، وخاصة العرب وتركيا، عن وقف حمامات الدم التي تنهمر بلا انقطاع على رغم الإعلان عن هدنة مضى عليها أكثر من شهر. والواضح أنه لا جدية في التعامل مع ملفات المنطقة المعقدة. بل تجري إدارتها دون حلول تنهي حالة التفسخ والفوضى بسبب تصدر محاربة الإرهاب، والحلفاء الذين يقدمون خدمات كشركاء في مواجهة الإرهاب، كأولوية على ما عداها.

وقد شاركت الأسبوع الماضي في لقاء تلفزيوني على قناة «سكاي نيوز عربية» مع المندوب اليمني الدائم السفير خالد اليماني المشارك في وفد الحكومة اليمنية في الكويت. وكان واضحاً حال الإحباط لدى السفير من مراوغات ومماطلة وفد الحوثيين الذي تأخر في الحضور للمشاركة في المشاورات التي تستضيفها الكويت. وبعد أسبوعين من المفاوضات لم تتقدم المشاورات خطوة واحدة. وتتباين المواقف. وبعد عدة اجتماعات وتأخير لم يتفقوا حتى على جدول الأعمال، فما بالك بمناقشة استحقاقات قرار مجلس الأمن 2216 الذي صدر منذ أكثر من عام. ولكن الحوثيين يرفضون الانصياع، وتنفيذ الاستحقاقات الخمسة في القرار الأممي وأبرزها انسحاب الانقلابيين من المدن، وتسليم السلاح، واستعادة مؤسسات الدولة، وإطلاق سراح المعتقلين، وإطلاق العملية السياسية حسب مرجعيات القرار الدولي ومخرجات الحوار الوطني والمبادرة الخليجية.

وقد خرج الرئيس اليمني بعد أسبوعين من مماطلة وفد الحوثيين وصالح ليطالب بـ«ضغط أممي على القوى الانقلابية للانخراط الإيجابي من دون شروط مسبقة في أجندة مشاورات الكويت». وهذا دليل واضح على تعمد الأمم المتحدة ومبعوثها إسماعيل ولد الشيخ، كما هو حال ستيفان دي مستورا المبعوث الأممي لسوريا، عدم الإفصاح عن الطرف المتعنت والمتسبب في إفشال المفاوضات ورفض تطبيق قراري مجلس الأمن في الحالة السورية واليمنية، وتخلي مجلس الأمن عن واجبه بالضغط على تلك الأطراف وفرض المزيد من العقوبات، والتلويح باستخدام القوة ضد الطرف المتعنت حسب ميثاق مجلس الأمن، لأن قراري مجلس الأمن الخاص بكل من سوريا واليمن صدرا تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

ومرة أخرى نرى حصاد رفع اليد والانكفاء وصراع الحرب الباردة بين القوى الكبرى والإقليمية. ونرى العجز وعدم القدرة العربية والتركية في إقناع الحلفاء والقوى الكبرى بالبقاء على مسافة واحدة من جميع الأطراف المتنازعة، والعمل معاً على إيجاد حل ينهي المآسي الإنسانية، ويضع الأمور في نصابها الصحيح!

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟