التوازن من المصطلحات الأساسية في علم الاجتماع، فإذا ما اختل توازن المجتمع لسبب أو آخر تنتج عن ذلك مشكلات اجتماعية أو أزمات، وتصبح مهمة عالم الاجتماع هي معرفة أسباب الخلل ومعالجته لكي يحافظ المجتمع على توازنه من جديد. وثمة الآن شعور قد يزيد الشعور به أو يقل بوجود أزمة متصاعدة بين واشنطن والدول الخليجية العربية، خاصة بعد ما أثاره الرئيس أوباما في لقاءات متعددة، بكيفية يعبر فيها عن نوع من عدم الرضا، ويوجّّه رسائل لها مغزاها السياسي. ولما وصف الأمير تركي الفيصل العلاقة الأميركية السعودية بأنها لن تعود إلى الأيام الخوالي، كان محقاً في رؤيته. وهناك إجماع على تحول في العلاقة الغربية العربية، وأن كلام أوباما لا يمثل موقفه الشخصي بقدر ما يمثل تحولات سياسية في العلاقة الخارجية الأميركية، بصفة عامة. ولذا سمعنا عن توجهات خليجية نحو شركات العلاقات العامة والمحاماة من أجل استخدام وسائل الضغط على صانعي القرار، وستدفع الملايين نظير تحسين الصورة في العين الغربية. والتوجه نحو تحسين الصورة الظاهرة أو الخارجية لكي تحدث استجابات إيجابية قد تساعد دولنا في تعزيز مواقعها، بينما الصورة الداخلية لا تحتاج إلى شركات الرأي العام لتدفعه إلى مساندة التوجهات الجديدة التي ربما تود بعض الدول أن تنتهجها. ويبدو لنا أن إهمال الصورة الداخلية يشكل أحياناً مصدر خلل قد يؤثر على صورتنا الخارجية، ومن ثم يبدو من الضروري العمل على إيجاد توازن بين الخارج والداخل. وهذا نرى أنه هو الأسلوب الصحيح في مواجهة بعض الاختلالات الكبيرة التي تعيشها المنطقة. وقد تحدثت في هذا الموضوع مع عدد من الأصدقاء، وكان الرأي الغالب يتجه نحو استمرار خلل بعض أوجه التفكير الذي توارثناه، فنحن ما زلنا نراهن على الخارج بالدرجة الأولى ونغفل الداخل بمكوناته الاجتماعية المختلفة على اعتبار أن الداخل لا يشكل عبئاً ولا يحتاج إلى شركات علاقات عامة تتولى شأنه. وإذن فنحن نفترض أن صورة الداخل جميلة أصلاً وليست في حاجة إلى تجميل أو تحسين طالما أنها تحصل على احتياجاتها الأساسية. كما أن أهل الداخل نضعهم في الجيب دائماً. بينما الواقع تغير، فالداخل أصبح يملك من الأدوات ليعرف ماذا دفعنا للشركات لتحسين صورة الخارج، بينما قد نتبع التقشف على أهل الداخل. وإذن فالسير في الطريق نفسه من دون اهتمام بإيجاد توازن بين صورة الداخل والخارج لن يساعدنا للوصول إلى الهدف المنشود، ومن ثم فإن إعادة التوازن تلك تعتبر ضرورة لكي نحقق انطلاقة جديدة. وأهل الداخل تعرضوا لسياسات متراكمة خلال مراحل تاريخية، هم ينظرون إليها كثوابت غير قابلة للتغيير، بينما الخارج يضغط علينا لتغيير بعض الصور في الداخل، ومن ثم قد يصير هناك تعارض على مستوى وعي المواطن الذي أبعد من المعادلة. إن بعضاً من سياساتنا اكتشفنا أنها قد فقدت صلاحيتها، والسياسات المهترئة ينبغي مواجهتها بشجاعة الاعتراف، وشجاعة المبادرة، لكي نعيد التوازن المفقود في الداخل. فالوضع معقد للغاية، وعلينا أن ندرك تشابك الداخل والخارج، وإصلاح الداخل يشكل ضرورة مهمة لاستكمال الصورة الخارجية لمجتمعاتنا. ولذا نرى من الخطأ أن نفترض أن أهل الداخل دائماً مقدور عليهم، فهذه الفرضية خاطئة، وقد تقودنا إلى مطبات كبيرة تعرقل عملية التجميل التي نسعى إليها. إن أي عملية إصلاحية ينبغي أن تقوم على أسس مشاركة المواطن الذي نعتبره الثروة المتجددة، وإذا لم يشعر المواطن بالرضا باعتباره جزءاً من جهد تنموي وطني، فقد ذلك يساهم في تشويه الصورة الخارجية التي أنفقت عليها الملايين. --------------- * مستشار «اليونسكو» لشؤون العالم العربي