وافق مجلس الوزراء السعودي يوم الاثنين الماضي على خطة تنموية جديدة طموحة سُمِّيت «رؤية 2030»، وهي خطة ترمي إلى تنويع الاقتصاد السعودي وتخفيف اعتماده على النفط. ويتم ذلك عن طريق دعم القطاع الخاص السعودي وتمكينه، وتخفيف الأعباء على الميزانية بتقليص حجم البيروقراطية الحكومية، وتشجيع الاستثمارات وإنشاء صندوق جديد للاستثمارات الحكومية يبلغ رأسماله زهاء تريليونيْ دولار. كما تضمّنت الرؤية أيضاً زيادة حجم السياحة الدينية للأماكن المقدسة وفتح المجال أمام السياح الأجانب لزيارة الأماكن السياحية المتعددة، وخاصةً في شمال البلاد وجنوبها. كما سيفتح باب العمرة أمام المعتمرين طيلة أيام السنة بدلاً من أشهر معدودة كما هو الحال اليوم. وتضمّنت الرؤية كذلك بعض الجوانب الاجتماعية المضيئة، ومنها زيادة الشفافية في العقود الحكومية، وكذلك فتح المجال واسعاً أمام عمل المرأة في شتّى القطاعات التي تساهم في زيادة الدخل القومي، بدلاً من كونها عالة على ذويها، أو ربّ أسرتها، وخاصةً أنّ النساء اليوم في المملكة بتن أكثر تعليماً من الرجال، وربما أكثر إنجازاً وكفاءة في إدارة الأعمال الخاصة والحكومية. وهناك اليوم أكثر من 600 ألف امرأة يعملن في القطاع الحكومي والخاص، ولكن لا زالت نسب البطالة بينهن تصل إلى 33% بعد أن كانت أعلى من هذا الرقم قبل ثلاثة أعوام. ويتطلب مثل هذا البرنامج الطموح انفتاحاً ثقافياً موازياً يمكّن الشباب، وهم غالبية أبناء الشعب، من قضاء إجازاتهم داخل بلادهم، بدلاً من السفر إلى الخارج للترفيه. ويمكن لفتح المجال أمام دور السينما والمسارح أن يخلق صناعة فنيّة في البلاد، ويُبقي العديد من الشباب في مدنهم في نهاية إجازة الأسبوع، التي يقضيها في العادة بعض هؤلاء الشباب في مدن عربية مجاورة لرؤية فيلم جديد، أو الاستمتاع بمسرحية، أو حضور حفل موسيقي. وكل هذه الأمور الاجتماعية التي يقف بعض المتزمّتين ضدها تكلّف المجتمع واقتصاده الشيء الكثير، بل إنها تدفع قطاعاً آخر من الشباب إلى مزيد من التزمّت والتطرّف، الذي قد يهدد أركان المجتمع ولحمته الوطنية. وخلال العامين الماضيين، خففت الحكومة السعودية من إجراءات الاستقدام والزيارة للعاملين الأجانب فيها، وأصبح بمقدور هؤلاء العاملين استقدام عائلاتهم لثلاثة أشهر قابلة للتمديد، ومثل هذه الإجراءات من شأنها إبقاء جزء من عوائد العمالة في الوطن، وإعادة تدويرها في الاقتصاد المحلّي. وتطرح الرؤية الجديدة احتمال إعطاء بطاقات إقامة طويلة الأمد للعاملين الأجانب، خاصةً من ذوي الكفاءات والدخول العالية، قد تمتد من خمس إلى عشر سنوات. والسؤال الذي يُطرح في العادة، هو كيف سيتم تمويل هذه الخطة الاقتصادية؟ وأغلب الظن أن تمويلها سيتم عبر تخصيص شركة «أرامكو» وتحويلها من شركة حكومية خالصة إلى شركة مساهمة. وربما ستكون البداية عبارة عن طرح 5% من أسهم الشركة الأم، والشركات التابعة لها، إلى القطاع الخاص. وقد طُرح هذا المقترح قبل خمسة عشر عاماً، وكانت هناك مدرستان، إحداهما ترى أنّ «أرامكو» هي شركة حكومية خالصة وقد تمّ شراء أصولها من الشركات الأربع الأم عام 1976، ولا يجوز أن تُباع للقطاع الخاص، سواءً كان محليّاً أو عالميّاً. وكل ما في الأمر هو زيادة شفافية العمل في الشركة وعرض قوائمها المالية على لجان مجلس الشورى بشكلٍ دوري منتظم. أما المدرسة الثانية فترى أنّ إبقاء الشركة في الإطار الحكومي يزيد من ترهلها، وأنه إذا ما تمّ بيع جزء منها للقطاع الخاص فستكون أكثر كفاءة في إدارتها وفي جعل عائداتها المالية تحت رقابة المساهمين والحكومة في آنٍ واحد، طالما كانت التجربة الروسية في التسعينيات حيال شركات النفط الوطنية ماثلة أمام صنّاع القرار، وأمام المجلس التشريعي في البلاد. أما الجزء الثاني من التمويل لهذه الخطة الاقتصادية، فأغلب الظن أنه سيعتمد على مزيج جديد من الضرائب المباشرة وغير المباشرة، والتي لم تعلن بعد، ولعلّ أهم هذه الضرائب، هي ضريبة المبيعات التي يقال إنها قد تصل إلى 15%، ومثل هذه النسبة العالية في بلد استهلاكي، مثل المملكة، قد تخلق مشكلة عويصة أمام ذوي الدخل المحدود، المتوسط والمتدنّي، الذين تتآكل مرتباتهم ومدّخراتهم أمام أطماع بعض التجار، الذين يغالون في الأسعار. وربما ستطلق ضريبة المبيعات التي نسمع عنها كثيراً المجال أمام التجار لزيادة نسب التضخّم بشكل كبير قد يساهم في تراجع قيمة العملة المحلية. ومثلما كان التحدّي أمام مهندس هذه الخطة الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد، في شقها الاقتصادي، فإنّ التحدي سيكون أكبر وأعظم في الشقّ الاجتماعي، خاصةً في المجال الجبائي، فاهتمام الطبقة الوسطى والطبقات الفقيرة بأن تؤخذ مصالحها في الحسبان أمر في غاية الأهمية. فهاتان الطبقتان تمثلان أحد أهم أركان وأعمدة الاستقرار السياسي في كل بلدان العالم. ولاشكّ أنّ الطريق طويل وشاقّ، ولكن مسافة الألف ميل من التطوّر والنماء، تبدأ بخطوة واحدة. -------------- أستاذ العلوم السياسية بجامعة الملك سعود