أكدت زيارتا الرئيس الأميركي باراك أوباما الأخيرتان إلى الشرق الأوسط وأوروبا أنه رغم كونه لم يتبقّ له في الرئاسة سوى أقل من عشرة أشهر، إلا أنه ما زال يستطيع إثارة القلق والإشادة بين بعض حلفائه وأصدقائه. فزيارته إلى السعودية كانت جهداً ضرورياً، وإن لم يحقق كل أهدافه متمثلةً في تصفية الأجواء بين حليفين مهمين لديهما مصالح كبيرة وتداخلات في النزاعات الحالية في المنطقة واستقرار أسواق الطاقة العالمية. ومع أن الزيارة لم تفعل الكثير لتغيير الشكوك الجوهرية لدى الحكومة السعودية في إدارة الرئيس، إلا أنها ربما ساعدت على تخفيف حدة الخلاف بشأن عدد من أبرز المواضيع الخلافية بين الدولتين؛ مثل العلاقات مع إيران، وما ينبغي القيام به في سوريا، وسبل مواجهة تنظيم «داعش» عبر المنطقة. كما أن التعاون العسكري الأميركي السعودي يظل أولوية كبرى، حيث أكد كلا البلدين أنهما يعتبران أحدهما الآخر مهماً وأساسياً من أجل تحقيق الأهداف الأمنية طويلة المدى المتمثلة في شرق أوسط مستقر وأقل تطرفاً. وكانت السعودية البلد الوحيد الشرق أوسطي الذي حلّ به أوباما خلال هذه الزيارة، وكان من الواضح أن إدارته لم تكن لديها رغبة في إضافة إسرائيل إلى جولته. والواقع أن شعبية أوباما ضعيفة داخل الدائرة الداخلية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على غرار شعبيته في السعودية، وذلك لأن ثمة استياء عام من الاتفاق النووي الإيراني، شكلا ومضموناً، غير أنه داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ثمة دعم معتبر للاتفاق النووي مع إيران، كما أن التعاون الاستخباراتي اليومي بين الجانبين (الأميركي والإسرائيلي) لم يكن يوماً أقوى مما هو عليه اليوم. وبالمقابل، اعتُبرت زيارة أوباما إلى لندن خدمة كبيرة ومساعدةً قيّمة لرئيس الوزراء ديفيد كامرون الذي يواجه معركة صعبة وحاسمة على خلفية استفتاء الثالث والعشرين من يونيو المقبل حول ما إن كان ينبغي لبريطانيا أن تظل في الاتحاد الأوروبي أم تنسحب منه، حيث استعرض أوباما إيجابيات وفوائد بقاء بريطانيا ضمن الاتحاد الأوروبي، وهو ما جرّ عليه غضب وسخرية عمدة لندن المحافظ، بوريس جونسون. وقد درس جونسون في المدرسة نفسها التي درس فيها كامرون (إيتون)، لكن من الواضح أنه يتطلع إلى خلافته كزعيم لحزب المحافظين. ويُعتبر جونسون من أبرز وأشد منتقدي عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، ومن أبرز الشخصيات التي تدعو إلى التصويت بـ«لا» في استفتاء الثالث والعشرين من يونيو المقبل. وقد شعر جونسون بالغضب من تصريحات أوباما القوية ضد انسحاب بريطانيا من الاتحاد وشرع في الإدلاء بتصريحات غير لائقة حول أصول أوباما، ملمحاً إلى أن الرئيس الأميركي ممتعض من الماضي الكولونيالي لبريطانيا بسبب أصوله الكينية. لكن كامرون ومعارضين آخرين لانسحاب بريطانيا من الاتحاد، كانوا مسرورين بأداء أوباما الذي يظل بشكل عام زعيماً يحظى بالشعبية بين النخب الأوروبية. وفي هذه الأثناء، يتابع معظم زعماء العالم باهتمام وترقب مسلسل الانتخابات الأميركية الممتد، والذي يمتلك كل مقومات المسلسل الدرامي الطويل. ولئن كان معظم المعلّقين الأجانب يعبّرون عن قلقهم البالغ من سيناريو فوز دونالد ترامب أو تِد كروز في الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة، فإن لديهم رأياً إيجابياً عن هيلاري كلينتون، نظراً لأنها كانت وزيرة للخارجية وسبق أن زارت معظم بلدان العالم خلال السنوات الأربع التي أمضتها في هذا المنصب. وبالمقابل، ليست لدى هؤلاء المعلّقين أي فكرة حول ما قد يقوم به السيناتور برني ساندرز إذا ما أصبح رئيساً للولايات المتحدة؛ نظراً لأنه لم يقل أشياء كثيرة حول السياسة الخارجية عدا أنه، وعلى غرار ترامب، يعتقد أن الاتفاقيات التجارية الدولية لا تخدم مصلحة قطاع الصناعة الأميركي. وقد كان ساندرز من أشد المعارضين لغزو العراق عام 2003، كما أنه من منتقدي السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. غير أن لا أحد لديه فكرة عن آرائه في قضايا مثل تحديث الأسلحة النووية، والسياسات الواجب اتباعها حيال الحلفاء. كما أنه لم يقم، حتى الآن، بالإعلان عن فريقه الاستشاري في مجال السياسة الخارجية، وهو أمر غير مألوف في مثل هذه المرحلة المتقدمة من الحملة الانتخابية. والواقع أنه في غياب أزمة أمنية كبيرة تهدّد الولايات المتحدة بشكل مباشر، فإن المواضيع الرئيسة التي ستؤثر في اختيارات الناخبين، في نوفمبر المقبل، هي الاقتصاد، والرعاية الصحية، والتعليم، وما ينبغي القيام به في سبيل تضييق الهوة المتزايدة بين الأغنياء والفقراء في المجتمع الأميركي. أما في حال شهدت الولايات المتحدة هجوماً إرهابياً مماثلا للهجومين اللذين وقعا في فرنسا وبلجيكا مؤخراً، فإن مواقف الناخبين يمكن أن تتغير، والتنافس بين هيلاري (الصقر) وترامب أو كروز (الصاخبين) يمكن أن يصبح سباقاً انتخابياً محتدماً ومتقارباً.