في الاجتماع الذي عقد يوم الأحد الماضي 17 أبريل بالعاصمة القطرية الدوحة بين أعضاء «أوبك» والمنتجين الآخرين من خارج المنظمة، لم يتمكن المندوبون من التوصل إلى صيغة موحدة لوضع سقف أعلى للإنتاج النفطي اليومي الإجمالي لمجموع الدول المنتجة للنفط حول العالم، وهو اجتماع غير عادي تداعت إليه الدول المنتجة للحد من التدهور الحاصل في أسواق سعر النفط الخام. وفي تقديرنا أن من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى فشل الاجتماع هو التغيب المقصود والمبيت لإيران، في إشارة واضحة للعالم إلى أنها لن تقوم بتخفيض إنتاجها اليومي من النفط الخام في هذه الفترة، بل وطلبت علانية إعفاءها من ذلك قبل فترة طويلة نسبياً من موعد عقد الاجتماع. ويعيد المراقبون السياسيون والاقتصاديون الموقف الإيراني هذا إلى التدهور الهائل الحاصل حالياً للاقتصاد الإيراني، الذي يحتاج إلى كل «سنت» يأتي من بيع النفط الخام لكي يسنده ويشد من عضده، وإلى عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي يجتاح إيران منذ فترة طويلة نتيجة للسياسات والمواقف المتخبطة التي تنتهجها. ومن جانب آخر لا تعود خطورة الموقف الإيراني الأخير من اجتماع الدوحة إلى الصعوبات التي يواجهها الاقتصاد الإيراني فقط، لكن هذا الموقف يعمل في تقديرنا كمؤشر جديد على وجود تنسيق وتحالف من نمط مختلف بين إيران والإدارة الأميركية الحالية، حيث قامت الأخيرة بممارسة ضغوط شديدة خافتة على إيران، لكي لا تحضر الاجتماع من زاوية أمرين: الاتفاق النووي المعروف بـ(خمسة + 1) ومسار رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، وقد رضخت إيران وعلى غير العادة، وربما بخنوع شديد لتلك الضغوط واستجابت لها. ما يهمنا الإشارة إليه هو أن مقولات عدة في عالم «أوبك» وعالم إنتاج النفط الخام، قد تغيرت كثيراً وانقلبت موازينها، فلم تعد «أوبك» هي المنظمة القوية الفاعلة التي عهدناها منذ إنشائها، وأصبحت قراراتها ومواقفها لا تخيف الدول المستهلكة التي استطاع عدد منها إيجاد مخارج لنفسه خارج المساقات المعهودة للنفط العالمي، كاكتشاف النفط في دول ليست عضواً في «أوبك»، ودخول روسيا سوق النفط العالمية المفتوحة كأحد أهم وأكبر المصدرين له في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، وتحررها من القيود والالتزامات التي كانت تقيدها تجاه العديد من الدول التي كانت تسير في الفلك السوفييتي، وإنتاج المشتقات النفطية من النفط الصخري، إلى غير ذلك من بدائل، أثبت البعض منها جدواه النسبية. لذلك يمكننا القول بأن العديد من الظواهر المرتبطة بالتحايل على الأسعار المعلنة واللعب بها وإغراق الأسواق النفطية خارج حصص الإنتاج المتفق عليه هي تجليات واضحة لعدم توحد المنتجين سواء من داخل «أوبك» أم خارجها. والأشد مرارة هو أن العديد من المنتجين، وبسبب ضعف أسواق النفط العالمية، يقومون حالياً بعرض إنتاجهم النفطي على عملاء مقاولات نفطية يتم انتقاؤهم بعناية ومنحهم خصومات وحوافز عن طريق تسعير نفوطهم بسعر يقل عن أسعار الأسواق المعلنة. ونتيجة لذلك، فإن الدول الملتزمة بالأسعار وحصتها الإنتاجية شعرت بأن ضيماً يقع عليها، خاصة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات اللتين تلعبان منذ أمد طويل دور المنتجين الموازنين. لذلك يلاحظ بأن هذه الدول وغيرها ترغب حالياً في إنتاج كل ما يمكنها إنتاجه وطرحه في الأسواق، وهذا بدوره يؤدي الآن إلى أن تصبح قضايا سقف الإنتاج وأرضيات الأسعار مقولات وطروحات لا روح فيها، فالمنتجون الروس وبحر الشمال والمكسيك، وأصحاب النفط الصخري وغيرهم ينافسون دول الخليج العربية على زبائنها ما يدفعها إلى الصراع من أجل حصصها العادية من الأسواق. ما نتوقعه هو أن تنخفض الأسعار إلى مستوى 15 دولاراً للبرميل بسبب المنافسة الشديدة على الإنتاج وإغراق الأسواق، وبأن تخسر «أوبك» المزيد من قدرتها على السيطرة الشديدة على الإنتاج وإغراق الأسواق، وبأن تخسر «أوبك» المزيد من قدرتها على السيطرة على سوق النفط العالمية، ومكانتها كمنبر سياسي يجمع بين أعضائها، فدوام الحال من المحال. د. عبدالله جمعة الحاج